محاضرات الأدباء و محاورات الشعراء و البلغاء - الراغب الأصفهاني - الصفحة ٦٢٥ - الدّار الحسنة
ذمّ الدور الواسعة
دخل بعض الناس على كبير يبني دارا واسعة، كبيرة الدرع واسعة الصحن رفيعة السمك عظيمة الأبواب، فقال: أعلم أنك ألزمت نفسك مئونة و عيالا يقلّ حمل مثلهم و لا بدّ لك من الخدم و الستور على حسب ما ابتنيته فقد حملت نفسك عناء معنيا.
ذمّ الدور الضيقة
وصف رجل دارا ضيّقة فقال: أضيق من أفحوص [١] القطاة، و أضيق من بياض الميم و من خرق الإبرة و من عقد تسعين و من مبعج الضبّ. و قيل شؤم الدار أن تكون ضيقة فيكثر سخط مالكها و لا يرضى بما قسم له فيها. و شؤم الدابة أن لا تكون فارهة، و شؤم المرأة أن لا تكون موافقة.
قال ابن المعتز:
و لكنها في دار سوء كأنها # بقية ناوس على ساحل البحر [٢]
و قال ابن الحجّاج:
في منزل غمر الو # قت أهله بالرّخاء
و قدّم الخاء حتّى # يصح معنى الهجاء
خال على كلّ حال # من سائر الأشياء
سوى كنوز بطون # مكنوزة في الخلاء
أخاف فيه و أخشى # من لا يخاف هجائي
و من ضراطي و شعري # في وجهه بالسّواء
جزاهم اللّه عنّي # تصحيف معنى الهجاء
الحثّ على إحكام البناء
لما بلغ عمر رضي اللّه عنه أن سعدا و أصحابه بنوا بالمدر كتب إليهم: قد كنت أكره إليكم البنيان بالمدر. أما إذا فعلتم فعرضوا الحيطان و أطيلوا السمك و قاربوا بين الخشب.
و لمّا بنى معاوية رضي اللّه عنه داره باللبن دخلها الروم فقالوا: ما أجودها للعصافير فهدمها و بناها بالحجر. و قال يحيى البرمكي: ينبغي للإنسان أن يتنوق في دهليزه فهو وجه الدار و منزل الضيف و مجلس الصديق إلى أن يؤذن له.
الدّار الحسنة
دخل المعتصم على خاقان في داره عائدا له، و الفتح [٣] يومئذ غلام فقال له: يا فتح
[١] الأفحوص: الموضع الذي تفحص فيه القطاة الترائب لتبيض فيه.
[٢] ناوس: أي الناووس و هو حجر منقور توضع داخله جثة الميت.
[٣] الفتح: يريد الفتح بن خاقان الذي أصبح وزير المتوكل، و هو تركي الأصل.