محاضرات الأدباء و محاورات الشعراء و البلغاء - الراغب الأصفهاني - الصفحة ٤٥١ - تحقيق القرآن و التّغنّي به
الرّخصة في أخذ الأجرة بتعليمه
ممّا يدل على الرخصة في ذلك ما روى أبو سعيد الخدري رضي اللّه عنه أن نفرا من أصحاب النبي صلّى اللّه عليه و سلّم مروا بحيّ من أحياء العرب فلدغ رجل منهم، فقالوا: هل فيكم من راق فرقاه رجل بأم الكتاب فأعطي قطيعا من الغنم؟فقدموا على النبي صلّى اللّه عليه و سلّم فأخبروه، فقال: من أخذ برقية باطل فقد أخذت برقية حق اضربوا معكم بسهم و قال صلّى اللّه عليه و سلّم: تعلموا القرآن و سلوا اللّه به من قبل أن يتعلمه قوم يسألون به الدنيا، فإن القرآن يتعلمه ثلاثة نفر: رجل يباهي به و رجل يستأكل به و رجل يقرأه للّه. و أقرأ أبي رجلا من اليمن سورة فأعطاه فرسا، فقال: إن كنت تريد أن تقلّد سيفا من النار فخذها.
الجهر و المخافتة
مر صلّى اللّه عليه و سلّم بأبي بكر و هو يخافت و بعمر يجهر فسألهما فقال أبو بكر: إني أسمع من أناجي فقال صلّى اللّه عليه و سلّم: ارفع شيئا. و قال عمر: أطرد الشيطان و أوقظ الوسنان فقال: أخفض شيئا كأنه ذهب إلى قوله تعالى: وَ لاََ تَجْهَرْ بِصَلاََتِكَ وَ لاََ تُخََافِتْ بِهََا وَ اِبْتَغِ بَيْنَ ذََلِكَ سَبِيلاً [١] .
المدة التي يستحبّ فيها الختم
سأل قيس بن صعصعة النبي صلّى اللّه عليه و سلّم في كم أقرأ القرآن؟قال: في كل خمس عشرة قال:
إني أجد فيّ أقوى من ذلك. قال: ففي كل جمعة. و قال سعد بن المنذر الأنصاري للنبي صلّى اللّه عليه و سلّم أقرأ القرآن في كل ثلاث، قال: نعم إن استطعت. و كان سليمان يقرأ القرآن في كل ليلة ثلاث مرات، يقعد في كل مرة و يجامع امرأته و يغتسل، فلما مات قالت رحمك اللّه إن كنت لترضي ربك و أهلك. و كان عمر رضي اللّه تعالى عنه يقرأ القرآن في ركعة.
تحقيق القرآن و التّغنّي به
قال ابن مسعود رضي اللّه عنه: أعربوا القرآن فإنه عربي. و قال أبو بكر: لأن أعرب آية من القرآن أحب إليّ من أن أحفظ آية. و قال عمر: تعلموا إعراب القرآن كما تتعلمون حفظه. و قال صلّى اللّه عليه و سلّم: زينوا القرآن بأصواتكم و دخل صلّى اللّه عليه و سلّم المسجد فسمع صوت رجل فقال: من هذا؟قيل عبد اللّه بن قيس فقال: لقد أوتي هذا من مزامير آل داود.
و كان عمر إذا رأى أبا موسى يقول: ذكرنا ربّنا فيقرأ عنده و قول النبي صلّى اللّه عليه و سلّم ليس منا من لم يتغن بالقرآن، فقد تأوّلوه على هذا و على الاستغناء. و كره بعض الفقهاء التحدّث بهذا الحديث كراهة أن يتأوّل على الألحان المكروهة، فقد روي عن النبي صلّى اللّه عليه و سلّم: أن قوما يتخذون القرآن مزامير يقدمون أحدهم ليس بأفقههم و أعلمهم ليغنّيهم به غناء.
و قال الهيثم العلاف: قرأت عند المنصور فقال: ما لكم أهل البصرة أقرأ
[١] القرآن الكريم: البقرة/١٢١.