محاضرات الأدباء و محاورات الشعراء و البلغاء - الراغب الأصفهاني - الصفحة ٣٥٩ - المشيب مؤذن بالموت
حنتني حانيات الدهر حتّى # كأنّي خاتل أدنو لصيد
قربت الخطو يحسب من رآني # و لست مقيدا أنّي بقيد
و هذا من قول شيخ مرّ به غلام فقال: يا عمّاه قد قصر قيدك، فقال: تركت الذي قيّدني يقتل قيدك.
و قال ديك الجن:
نهنهت الخمسون من شدّتي # و ضيقت خطوي بعد اتساع [١]
و أتحفتني خورا ظاهرا # و كنت قبل الشيب عين الشّجاع [٢]
تعترف النفس ببعض القوى # فأمسك النفس ببعض الخداع
أذكر إنسان التي فوقها # و الموت قد يودي بمن في الرّضاع
و كان أبو محلم لما كبر ينشد:
إذا ما امرؤ أحصى ثمانين حجّة # و عاش، تشكّى كلّ عضو و مفصل
و قد أحسن القائل:
قالوا أنينك طول اللّيل يسهرنا # فما الذي تشتكي قلت الثّمانينا
المشيب مؤذن بالموت
قيل: المشيب تمهيد الحمام و تاريخه و عنوانه و رائده و نذيره. و قيل: الشيب مقوّض الخيام و مقيض الحمام. و قيل: هو أول مواعيد الفناء و قيل: هو واعظ نصيح و منذر فصيح.
و قيل: هو لمحة من لمحات المنون و نوبة من نوب الدهر الخئون. و قيل: في قوله تعالى: أَ وَ لَمْ نُعَمِّرْكُمْ مََا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَ جََاءَكُمُ اَلنَّذِيرُ [٣] و النذير الشيب.
و قيل: إذا ضحك الشيب في القذال [٤] بكت الحياة للزوال.
و نظر حكيم إلى شيبه فقال أرى شيبة قد أينع ثمرها و حان قطافها.
و أظرف ما قيل في ذلك قول منصور:
من شاب قد مات و هو حيّ # يمشي على الأرض و هو هالك
لو كان عمر الفتى حسابا # لكان في شيبه فذالك
و قال:
الشيب و الموت مقرونان في قرن
و نظر فضيل إلى رجل قد وخطه الشيب فقال: اتّق اللّه فإنّ الموت قد غرز أعلامه في
[١] نهنهه: جعله يكفّ، زجره.
[٢] الخور: الضعف.
[٣] القرآن الكريم: فاطر/٣٧.
[٤] القذال: ما بين الأذنين في مؤخر الرأس.