محاضرات الأدباء و محاورات الشعراء و البلغاء - الراغب الأصفهاني - الصفحة ٧١ - كون الفرقة كالمنيّة
فالشمس عند غروبها # تصفرّ من خوف الفراق
و قيل: ما أشد صدع الفراق بين الرفاق. و قيل بكف الفرقة نقدح نار الحرقة، كبدي بيد الشوق مخطوفة و عيني بقذى الفراق مطروفة. أنتن من ريح الفراق و أزكى من نسيم التلاق:
و ما الدّهر إلا هكذا فاصطبر له # رزيّة مال أو فراق خليل [١]
الحذر من الفراق
قال أشجع:
و محاذر للبين قد # وقع الذي يخشى حذاره [٢]
و قال آخر:
كفى حزنا أنّ زوارنا # لوقت الرّواح أرادوا الغروبا
فلو كنت بالشمس ذا طاقة # لطال على النّاس حتّى تغيّبا
و قال:
و أشفق من وشك الفراق و إنّني # أظنّ كمحمول عليه مراكبه
شدّة سماع الفرقة
و قال أبو نواس:
طرحتم من التّرحال أمرا فغمّنا # فلو قد فعلتم صبّح الموت بعضنا
كون الفرقة كالمنيّة
قيل: لكل جليلة دقيقة و دقيقة الموت الفراق. قال النميريّ:
أن المنيّة و الفراق لواحد # أو توأمان تراضعا بلبان [٣]
في فرقة الأحباب شغل شاغل # و الثكل حقا فرقة الإخوان [٤]
و قال أبو تمّام:
لو حار مرتاد المنيّة لم يجد # إلا الفراق على النّفوس دليلا
و قال المتنبّي:
لو لا مفارقة الأحباب ما وجدت # لها المنايا إلى أرواحنا سبلا
[١] الرزيّة: المصيبة العظيمة.
[٢] البين: الفراق و قوله: محاذر اسم فاعل من حاذر أي تحرّز.
[٣] اللبان: الصدر.
[٤] يقول: إن أكثر ما يشغل المرء مفارقة الأحبّة فهي ضرب من الثكل، و الثكل فقد الابن فالرجل ثاكل و الأم ثكلى.