محاضرات الأدباء و محاورات الشعراء و البلغاء - الراغب الأصفهاني - الصفحة ٣٩٨ - قلّة السرور و كثرة الغموم
قال رجل لأمير المؤمنين: صف لي الدنيا، قال: ما أصف في دار أولها عناء و آخرها فناء حلالها حساب و حرامها عذاب، من أمن فيها سقم و من مرض فيها ندم و من استغنى فيها فتن، و من افتقر فيها حزن.
و قال بعض الصالحين: الدنيا دار غرست فيها الأحزان و ذمّها الرحمن، و سلط عليها الشيطان يصل به الإنسان.
و سئل آخر عنها فقال: من نالها مات عنها و من لم ينلها مات حسرة عليها.
و قال سفيان: الدنيا دار التواء لا الثواء من عرفها لم يفرح فيها برخاء، و لم يحزن بشقاء. و سمع حكيم رجلا يقول لآخر: لا أراك اللّه مكروها، فقال: دعوت عليه بالموت.
من عاش لا بدّ له من مكروه. و قال شاعر:
في كل دار ترحة و بلية # و هموم دارك إن شكرت أقلها [١]
و قيل للنظام و في يده قدح دواء: ما حالك؟فقال:
أصبحت في دار بليّات # أدفع آفات بآفات
و قال أبو علي كاتب بكر:
أفّ من الدنيا و أسبابها # فإنّها للحزن مخلوقه
همومها ما تنقضي ساعة # عن ملك فيها و لا سوقه [٢]
و قال:
أمرّ الزمان لنا طعمه # فما إن ترى ساعة عذبه
و قال:
مضى قبلنا قوم رجوا أن يقوّموا # بلا تعب عيشا فلم يتقوّما
و قال المنصور:
كن موسرا إن شئت أو معسرا # لا بدّ في الدنيا من الغمّ
و كلّما زادك من نعمة # زاد الذي زادك في الهمّ
قلّة السرور و كثرة الغموم
روي عن الإمام الشافعي رضي اللّه عنه، قوله:
محن الزمان كثيرة لا تنقضي # و سرورها يأتيك كالأعياد [٣]
و قال:
[١] ترحة: مصيبة.
[٢] السوقة: الرعيّة من النّاس و اللفظة للواحد و الجمع و المذكّر و المؤنث.
[٣] محن الزمان: مصائبه و فجائعه.