محاضرات الأدباء و محاورات الشعراء و البلغاء - الراغب الأصفهاني - الصفحة ١٤٤ - من سلكوا في تصرفاتهم مسلك مذاهبهم في صناعاتهم
استفتاء فقيه في الهوى
قال أعرابيّ:
إلا استفتيا المكّي ذا الفقه ما الذي # يحلّ من التقبيل في رمضان
فقال لي المكّيّ أمّا لزوجة # فسبع و أما خلّة فثمان
و قال أبو العالية:
سل المفتي المكيّ هل في تزاور # و ضمّة مشتاق الفؤاد جناح [١]
فقال معاذ اللّه أن يذهب التّقى # تلاصق أحشاء بهنّ جراح
من سلكوا في تصرفاتهم مسلك مذاهبهم في صناعاتهم
قلت لا أستطيع هجرك قالت # صرت بعدي تقول بالإجبار [٢]
ما تخيلت من مقالة بشر # بن غياث و مذهب النّجار
قال السعيد بن حميد:
قد قلت بالعذل و لكنّني # عدلت في الحبّ عن العذل
فقلت بالإجبار مستغفرا # للّه من قولي و من فعلي
قال جعفر الخياط:
فتقت بالهجران درز لهوي # إذا وخزتني إبرة الصّد
قال بعض الزّراعين:
زرعت هواه في كراب من الهوى # و أسقيته ماء الدّوام على العهد
و سرقنته بالوصل لم آل جاهدا # ليحرزه السرقين من آفة الصّد [٣]
فلمّا تعالى النبت و اخضرّ يانعا # جرى يرقان البين في سنبل الود [٤]
و قال حلاّج:
حلجت قطن فؤادي بالهوى فغدا # في الصدّ تندفه الأحزان بالنّد
و قال حجّام:
حلقت بموسى الغدر ناصية العهد # و أجريت مشط الهجر في لحية الوجد
[١] الجناح: الإثم.
[٢] الإجبار: أي الجبرية و هي مذهب القائلين بأن الإنسان لا يملك إرادته فهو مجبر و ليس مخيّرا و قد اصطنع الشاعر في هذا البيت الجبرية في باب الغزل و النسيب.
[٣] السرقين: الزبل و اللفظة فارسية.
[٤] يانعا: حال من ينع و أينع النّبت إذا نضج-اليرقان: داء يصيب الإنسان، و قوله يرقان البين: من باب الاستعارة و المجاز-البين: الفراق-الودّ: المحبّة و سنبل الودّ من باب المجاز-يقول: ما إن اخضر النبت و نضج حتى مني سنبل الودّ بيرقان البين.