محاضرات الأدباء و محاورات الشعراء و البلغاء - الراغب الأصفهاني - الصفحة ٤١٣ - قلّة المبالاة بما يفوت من عرض الدنيا
مدح اللّه تعالى باللسان
قال اللّه تعالى: وَ اَلذََّاكِرِينَ اَللََّهَ كَثِيراً وَ اَلذََّاكِرََاتِ [١] و اُذْكُرُوا اَللََّهَ ذِكْراً كَثِيراً [٢]
و قيل: أوجب اللّه الذكر في الصلاة في كثير من المواضع. و قيل: ما سمع صلّى اللّه عليه و سلّم أحدا ذكر اللّه إلا جاذبه الحمد. و قال معاذ: لا يتحسر أهل الجنة على شيء كتحسرهم على وقت مرّ عليهم و لم يذكروا اللّه تعالى فيه.
ذمّ ذكر اللّه تعالى باللّسان و تذكّره عن النسيان
قال تعالى: فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ `اَلَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاََتِهِمْ سََاهُونَ [٣] . و قال تعالى: لاََ تَقْرَبُوا اَلصَّلاََةَ وَ أَنْتُمْ سُكََارىََ حَتََّى تَعْلَمُوا مََا تَقُولُونَ [٤] قيل: السكران المذموم هاهنا من تتعرّى أجزاء صلاته عن الحضور.
التحذير من الكلام فيما يؤثم
سمع حكيم رجلا يفحش فقال: يا هذا إنك تملي على حافظيك كتابا إلى ربك. و قال:
عمر رضي اللّه عنه: من علم أن الكلام عمل أمسك. و قال الجنيد: الرحمة تنزل على العارف في ثلاثة مواضع: عند الأكل، فإنه لا يأكل إلا عن جوع و عند الكلام، فإنه لا يتكلم إلا عن ضرورة. و عند السماع فإنه لا يسمع إلا من اللّه. و رأى إبراهيم بن أدهم رجلا يحدث بما لا يعنيه فوقف عليه، و قال: أ كلاما ترجو منه الثواب، قال: لا، قال: أ فتأمن عليه العقاب، قال:
لا، قال: فعليك بذكر اللّه ما تصنع بكلام لا ترجو منه ثوابا و لا تخاف عقابا.
ذمّ من خلا قلبه من حلاوة الوحدانية
قيل: أوحى اللّه تعالى إلى بعض الأنبياء أ ما يستحي من يدّعي حبي و قلبه مملوء من غيري هذا علامة الخدام. قيل: و كان في بني إسرائيل حبر فقال في دعائه: يا ربّ كم أعصيك و أنت لا تعاقبني فأوحى اللّه تعالى إلى نبيّ ذلك الزمان: قل لعبدي كم أعاقبك و لا تدري، أسلبك حلاوة مناجاتي. و سئل الشبلي عن قول النبي: إذا رأيتم أهل البلاء فسلوا ربكم العافية من هم؟قال: هم أهل الغفلة عن اللّه. و قيل: من لم يرتدع بأمر اللّه و ذكر الموت ثم تناطحت الجبال بين يديه لم يرتدع.
قلّة المبالاة بما يفوت من عرض الدنيا
قال اللّه تعالى: قُلْ إِنْ كََانَ آبََاؤُكُمْ وَ أَبْنََاؤُكُمْ وَ إِخْوََانُكُمْ [٥] الآية. و قيل: حق المؤمن أن لا يتحاشى ما به نجاة نفسه أ لا ترى إلى السحرة لما آمنوا و هددهم فرعون، قالوا: اقض ما أنت قاض.
[١] القرآن الكريم: الأحزاب/٣٥.
[٢] القرآن الكريم: الأحزاب/٣٣.
[٣] القرآن الكريم: الماعون/٤.
[٤] القرآن الكريم: النساء/٤٣.
[٥] القرآن الكريم: التوبة/٢٤.