محاضرات الأدباء و محاورات الشعراء و البلغاء - الراغب الأصفهاني - الصفحة ١٣ - *الحثّ على المصافاة و ترك المداجاة
و عتاب يميتها و هو ما كان في ذنب و موجدة [١] .
التقى أعرابيان فتعاتبا و إلى جنبيهما شيخ، فقال: انعما عيشا، إن العتاب يبعث التجنّي و التجني ذرء [٢] المخاصمة و المخاصمة أخت العداوة فانتهيا عمّا ثمرته العداوة. و قال العبّاس:
إن بعض العتاب يدعو إلى البغض و يؤذي به المحبّ الحبيبا و قيل: التجنّي وافد القطيعة. قال شاعر:
و دع العتاب فربّ أمر هاج أوّله العتاب
و قال الآخر:
و بدء الصّرم من ملل العتاب [٣]
و قيل: العتاب بدء العقاب.
*النهي عن تضييع حقوق الإخوان
قيل: أقلّ الناس عقلا من فرّط في اكتساب الإخوان. و أقلّ منه عقلا من ظفر بأخي صدق فضيّعه. و قال عمر: إذا رزقك اللّه ودّا من رجل فتمسّك به.
و قيل: لا يقطع الرجل أخاه إلا لواحد من اثنين لا خير فيهما: لملاله أو لسوء اختياره للصداقة.
*الحثّ على المصافاة و ترك المداجاة
[٤]
قال سفيان لرجل: لا تكوننّ صديق عين و عدوّ غيب [٥] . و سئل خالد بن صفوان عمّا يجب للإخوان، قال: تجنّب طريق النفاق و لا تقصر عن الاستحقاق قال إبراهيم بن عباس:
خلّ النفاق لأهله # و عليك فانتهج الطريقا
و اذهب بنفسك أن ترى # إلاّ عدوا أو صديقا
و في مدح من يحفظ أخاه بظهر الغيب، قال بعضهم:
موكل النّفس بظهر المغيب # أقصى رفيقيه له كالقريب
قال المثقّب العبدي:
فإمّا أن تكون أخي بصدق # فأعرف منك غثّي من سميني
و إلاّ فاجتنبني و اتخذني # عدوّا أتّقيك و تتّقيني
[١] الموجدة: الغضب.
[٢] ذرء المخاصمة: خلفها.
[٣] الصرم: القطيعة و الجفاء.
[٤] المداجاة: المراءاة و الممالطة و التملّق.
[٥] عدوّ الغيب: أي العدو الذي لا يواجهك في عداوته بل يطعن بك دون أن يواجهك.