محاضرات الأدباء و محاورات الشعراء و البلغاء - الراغب الأصفهاني - الصفحة ٨ - *الحثّ على مصاحبة العقلاء
و قيل: اغلب المحبة ما كان عن تشاكل. بالمشاكلة دوام المواصلة. قال شاعر:
و لا يصحب الإنسان إلا نظيره # و إن لم يكونا من قبيل و لا بلد
و مما يؤكد ذلك:
و إنّ البزاة البيض لا تألف القطا [١]
و قال آخر:
لكلّ امرئ شكل من الناس مثله # و أكثرهم شكلا أقلّهم عملا
و قيل: الشدّ بالقد أهون من مصاحبة الضدّ.
*اعتبار المرء بإخوانه و أنّ من يصاحب صاحبا ينسب إليه
قال شاعر:
و من يصاحب صاحبا # ينسب إلى مستصحبه
و ربما عرّ صحيـ # حا جرب بجربه
و أخذ جماعة من اللصوص فقال أحدهم: أنا كنت مغنيا لهم فقيل له: غنّ، فغنّى:
عن المرء لا تسأل و سل عن قرينه # فكل قرين بالمقارن يقتدى [٢]
قيل له: صدقت و أمر بقتله. قال شاعر:
يقاس المرء بالمر # ء إذا ما هو ماشاه
و للنّاس على النّا # س مقاييس و أشباه
و قيل: انظر من تجانس، فقلّ حصاة طرحت مع حصاة إلا أشبهتها. قال مسكويه:
يقولون لي إن الرئيس محمدا # يؤول إلى رأي كريم المناسب [٣]
فقلت دعوني قد عرفت اختياره # بطلعة منصور و خطّ ابن كاتب
*الحثّ على مصاحبة العقلاء
قيل: جالس العقلاء أعداء كانوا أم أصدقاء، فالعقل يقع على العقل.
و قيل: العاقل بخشونة العيش مع العقلاء أشبه منه بلين العيش مع الجهّال، و قيل: آخ الكريم و استرسل إليه و عليك أن تصحب العاقل و إن لم يكن كريما لتنتفع بعقله، و اهرب كل الهرب من اللئيم الأحمق.
و قيل: من صبر مع الأحمق فهو مثله، و قد مضى في فضل العقل باب مثل هذا.
[١] القطا: الحمام البريّ، جمع قطاة.
[٢] القرين: النظير و المثيل.
[٣] آلى يؤول إلى: رجع.