محاضرات الأدباء و محاورات الشعراء و البلغاء - الراغب الأصفهاني - الصفحة ٥٨ - من ذكر مساواة محبوبه في المحبّة
و قال أشجع:
و موت الفتى خير له من حياته # إذا كان ذا حالين يصبو و لا يصبى
و يستظرف للمتنبي:
أنت الحبيب و لكنّي أعوذ به # من أن أكون محبّا غير محبوب
قال بعضهم: وجدت بمكة شابا مصفرا ناحلا فسألته عن حاله فقال: بليت بوصيفة فذهب رأس مالي في ثمنها و نفقتها و ليست تحبني، فقلت استمتع بها وعدها بعض نعم الدنيا و الآخرة هل تحبك العافية هل تحبك الصحة هل يحبك المال هل تحبك الجنة؟ فقال: لا. فقلت: أ ليس تحب كل ذلك و تتمتع به مع أنه لا يحبك، فهبها بعض نعيم دنياك و آخرتك فقام كالمسرور و أوجع إليها و ساهلها في سوء خلقها حتى رجع اللّه تعالى بقلبها إليه و طاب عيشه معها.
تأسف من يزداد صفاء بجفاء محبوبه
قال إبراهيم بن العباس:
بنفسي من إساءته اعتماد # و من إحسانه من غير عمد
و من أصفيته في الودّ جهدي # فعارض في الجفاء بمثل جهدي
و قال أبو العتاهية [١] :
و لي فؤاد إذا طال العذاب به # هام اشتياقا إلى لقيا معذّبه
يفديك بالنّفس صبّ لو يكون له # أعزّ من نفسه شيء فداك به [٢]
من ذكر مساواة محبوبه في المحبّة
إنّ التي زعمت فؤادك ملّها # خلقت هواك كما خلقت هوى لها
قال إبراهيم بن المهدي:
و تخبرني عن قلبها فكأنّها # إذا صدقت عنه تحدّث عن قلبي
قال أبو عنبسة:
كلانا سواء في الهوى غير أنّها # تجلّد أحيانا و ما بي تجلّد
قال الرفاء:
شكوت الذي تشكو إليّ كأنّما # تجنّ ضلوعي ما تجنّ ضلوعها
[١] أبو العتاهية: إسماعيل بن القاسم (٧٤٨-٨٢٥) شاعر مكثر نشأ في الكوفة كنّي بأبي العتاهية لميله إلى المجون. أغلب شعره في الزهد و الشكر للدنيا. (انظر مقدّمة ديوانه-منشورات دار الأرقم) .
[٢] صبّ: العاشق و ذو الولع الشديد.