محاضرات الأدباء و محاورات الشعراء و البلغاء - الراغب الأصفهاني - الصفحة ٥٠٣ - حثّ الإنسان على الاستدلال على موته بمن مات من أقاربه
و مر أمير المؤمنين بمقابر الكوفة فقال: السلام عليكم أهل الديار الموحشة و المحال المقفرة، أنتم لنا سلف و نحن لكم تبع. أما الأزواج فقد نكحت، و أما الديار فقد سكنت، و أما الأموال فقد قسمت، هذا خير ما عندنا فما خير ما عندكم؟ثم التفت إلى أصحابه فقال: أما أنهم لو تكلموا لقالوا وجدنا خير الزاد التقوى.
و نظر الحسن إلى صبية بين جنازة أبيها تقول: يا أبت مثل يومك لم أره. فضمها الحسن و قال: أي بنية و أبوك مثل هذا اليوم لم يره، فبكى الخلق.
حثّ الإنسان على الاستدلال على موته بمن مات من أقاربه
قال بعض الحكماء: ذهب أبوك و هو أصلك، و ابنك و هو فرعك فما حال الباقي بعد ذهاب أصله و فرعه!و قال محمود في معناه:
و غادروك بلا أصل و لا طرف # فما بقاؤك بعد الأصل و الطرف
و قال أبو نواس:
ألا يا ابن الذين فنوا و ماتوا # أما و اللّه ما ماتوا لتبقى
قال أبو حازم: إن امرأ ما بينه و بين آدم أب إلا ميت لمعرق في الموت.
قال لبيد:
فإن أنت لم ينفعك علمك فانتبه # لعلّك تهديك القرون الأوائل
فإن لم تجد من دون عدنان باقيا # و دون معد فلترعك العواذل [١]
و قال امرؤ القيس:
فبعض اللوم عاذلتي فإني # سيكفيني التجارب و انتسابي
إلى عرق الثرى و شجت عروقي # و هذا الموت يسلبني شبابي [٢]
و قال أبو تمّام:
تأمّل رويدا هل تعدنّ سالما # إلى آدم أو هل تعد ابن سالم
متى يرع هذا الموت عينا بصيرة # تجد عادلا منه شبيها بظالم
و قال عمارة:
و ما نحن إلا رفقة قد ترحلت # لقصد و أخرى قد أنيخت ركابها
و قال البحتري:
و ما أهل المنازل غير ركب # مناياهم رواح و ابتكار [٣]
[١] العواذل: جمع عاذل، اللائمون-و عدنان و معد: من اجداد العرب.
[٢] عرق الثرى: جوهر الأرض-و شجت عروقي: انسابت، أوت، سربت.
[٣] الرواح: العشي-الابتكار: المجيء «بكرة» أي غدوة.