محاضرات الأدباء و محاورات الشعراء و البلغاء - الراغب الأصفهاني - الصفحة ٣٥٢ - مناقضة من مدح الشيب بالوقار
الذي قد انثلم [١] ، و رأي الشبّان كالزند الصحيح الذي يورى بأيسر اقتداح.
مدح الشيب بالوقار و العفة
تأمل حكيم شيبة فقال: مرحبا بزهرة الحنكة و ثمرة الهدى و مقدّمة العفة و لباس التقوى. و روي أن إبراهيم عليه السلام لما بدا الشيب بعارضيه قال: يا ربّ ما هذا؟قال:
و قار. قال: يا ربّ زدني و قارا.
و عيّر حكيم بالشيب فقال: الشيب نور يورثه تعاقب الليالي و الأيام، و حلم يفيده مرّ الشهور و الأعوام، و وقار تلبسه مدة العمر و مضي الدهر.
قال دعبل:
أهلا و سهلا بالمشيب فإنّه # سمة العفيف و حلية المتحرّج
ضيف ألمّ بمفرقي فقريته # رفض الغواية و اقتصاد المنهج
و قال أبو تمّام:
و لا يروعك إيماض القتير به # فإنّ ذاك ابتسام الرأي و الأدب [٢]
مناقضة من مدح الشيب بالوقار
قال أبو تمّام:
حلمتني زعمتم و أراني # قبل هذا التحليم كنت حليما
دقّة في الحياة تدعى جلالا # مثل ما سمّي اللديغ سليما
قال المتنبّي:
ليت الحوادث باعتني الذي أخذت # منّي بحلمي الذي أطعت و تجريبي [٣]
فما الحداثة من حلم بمانعة # قد يوجد الحلم في الشبان و الشّيب
قال عبدان:
إن شيئا نعى إلى حياتي # لبغيض و إن أفاد الرشاد
قال الموسوي:
غالطوني عن المشيب و قالوا # لا ترع إنّه جلاء الحسام
قلت بل مرّ بي على الرأس منه # صارم الجدّ في يد الأيام
[١] انثلم: انكسر.
[٢] القتير: أول ما يظهر الشيب.
[٣] يقول: أتمنى لو أن الحوادث تسترد ما أعطتني من الحلم و التجاريب لتردّ علي السباب.