محاضرات الأدباء و محاورات الشعراء و البلغاء - الراغب الأصفهاني - الصفحة ٢٤ - معاتبة من أساء الظنّ بصديقه
علانيتك فلا تتخذه صديقا في سريرتك. و قيل: من عاشر الإخوان بالمكر كافأه بالغدر.
قال يزيد الحكمي:
لسانك لي أري و قلبك علقم # و شرّك مبسوط و خيرك ملتوي [١]
و قال آخر:
زعمت صديقى طاب مرأى و مسمعا # صدقت و لكنّ المغيب معيب [٢]
و قال آخر:
إذا أنت فتّشت القلوب و جدتها # قلوب أعاد في جسوم أصادق
تأسّف من تكدّر ودّه بعد الصفاء
أخ كنت آوي منه عند ادّكاره # إلى ظلّ آباء من العزّ شامخ
سعت نوب الأيام بيني و بينه # فأقلعن منّا عن عدوّ و صارخ [٣]
و قال أعرابي: يا حسرتي فقد صفرت من فلان عياب [٤] ودّي بعد امتلائها و اكفهرت [٥] وجوه كانت بمائها. فأدبر ما كان مقبلا و أقبل ما كان مدبرا.
ذمّ من يتجنّى على صديقه طلبا لصرمه
إن الملول إذا أراد قطيعة # ملّ الوصال و قال كان و كانا [٦]
و قال آخر:
زماني كلّه غضب و عتب # و أنت عليّ و الأيام إلب [٧]
و قال ابن المقفع: ينبغي للعاقل أن يكذب سوء الظن بصديقه ليكون ذا ودّ صحيح و قلب مستريح. و قال ابن سيرين: إذا بلغك عن صديقك ما تكرهه فالتمس له عذرا، فإن لم تجد فقل: لعلّ له عذرا و أنت تلوم.
معاتبة من أساء الظنّ بصديقه
قيل لرجل ما ظنك بأخيك؟قال: ظني بنفسي. قال المتنبّي:
إذا ساء فعل المرء ساءت ظنونه # و صدّق ما يعتاده من توهم
[١] الأري: الشّهد و العسل-العلقم: الحنظل، و كل ما مرّ فهو علقم.
[٢] المغيب: الغيبة و النميمة.
[٣] نوب: جمع نائبة مصيبة.
[٤] العياب: العيوب، و العياب الصدور و القلوب تشبيها بعياب الثياب و عياب الودّ من باب المجاز.
[٥] اكفهرّ اكفهرارا اللّيل: اشتدّ ظلامه.
[٦] القطيعة: الصرم و الجفاء-لصرمه: لهجره و الانقطاع عن صحبته.
[٧] الإلب: القوم تجمعهم عداوة واحدة، و ألب إلبا: جمع و ألّب: أفسد، و ألّب من الأضداد و يفيد الجمع أيضا.