محاضرات الأدباء و محاورات الشعراء و البلغاء - الراغب الأصفهاني - الصفحة ١٤ - *وصف أخوّة صادقة
و قال آخر:
و لا تك ممّن إن نأى عنه صاحب # فغاب عن العينين غاب عن القلب
*الحثّ على مداجاة العدوّ
قيل: إذا صافاك عدوّك رياء فتلقّى مصافاته بأوكد مودة، فإنه إذا ألف ذلك اعتاده و خلصت مودّته. و قال ابن السماك: لن لمن يجفو فقلّ من يصفو.
و قال ابن الحنفية: ليس بحكيم من لم يعاشر من لم يجد عن معاشرته بدّا حتى يجعل له فرجا و مخرجا. قال التنوخي:
ألقى العدوّ بوجه لا قطوب به # يكاد يقطر من ماء البشاشات [١]
فأحزم الناس من يلقى أعاديه # في جسم حقد و ثوب من مودّات
*وصف أخوّة صادقة
مدح أعرابي صديقا فقال: مجالسته غنيمة و صحبته سليمة و مؤاخاته كريمة، هو كالمسك إن بعته نفق و إن تركته عبق [٢] .
و عاتب رجل خليله فقال: لو علمت أن يومي أهنأ من يومك لاخترت أن أوثرك به.
قال شاعر:
و ذي لطف لو كان يعلم أنّه # شفائي دم من جوفه لسقاني
و قال آخر:
قد تخللت مسلك الرّوح منّي # و بذا سمّي الخليل خليلا
و قيل: لم يسمع بأطيب و أعذب من قول البحتري [٣] :
وجدت نفسك من نفسي بمنزلة # هي المصافاة بين الماء و الرّاح [٤]
و قال يصف خليلا:
أخ و أب لي ثم أمّ شفيقة # تفرّق في الأحباب ما هو جامعه
سلوت به عن كلّ من كان قبله # و أذهلني عن كائن هو تابعه
و لآخر:
و نحن كروح بين جسمين قسّما # فجسماهما جسمان و الروح واحد
[١] القطوب: العبوس.
[٢] عبق: فاح و انتشرت رائحته.
[٣] البحتري: أبو عبادة (٨٢٠-٨٩٧) شاعر عربي طائي ولد في منبج اختص بالمتوكل و وزيره الفتح بن خاقان. اشتهر بالوصف و له كتاب الحماسة على مثال حماسة أستاذه أبي تمّام.
[٤] المصافاة: التصافي-الراح: الخمر-يقول: إن نفسينا في صفاء و انسجام كالماء و الخمر.