نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٣ - الشرح والتفسير إنتظار الفرج
إثارته لسؤال والإجابة عنه.
فقد سأل نفسه بادىء الأمر: هل يصح حسب عقيدة المعتزلة أن ينتظر علي عليه السلام قتل عثمان انتظار نزول المطر حين الجفاف؟ أو ليس هذا دليلًا على حقّانية الشيعة؟
ثم قال ابن أبي الحديد في مقام الجواب عن هذا السؤال: إنّ علياً عليه السلام لم يقل كنّا ننتظر قتله، بل كان ينتظر بعض التغييرات كعزله عن الخلافة، لأننا نعتقد أنّه كان يرى أعماله توجب ضرورة عزله لا قتله، وهذا ينسجم مع عقيدتنا، كما تعرّض لسؤال آخر وهو: هل تعتقد المعتزلة أنّ علياً عليه السلام كان يعتبر عثمان فاسقاً يجب عزله عن الخلافة؟ فيجيب: إنّ المعتزلة لا ترى ذلك، بل تعتقد إنّ علياً عليه السلام كان يرى عثمان شخصاً ضعيفاً لا يستطيع تدبير أمور المسلمين، وذلك لأنّه قرب بطانته وسلّطهم على بيت مال المسلمين حتى قاموا عليه [١].
ثم تطرّق الإمام عليه السلام مواصلًا كلامه إلى منزلة أئمة الهدى فقال:
«وَإِنَّمَا الْأَئِمَّةُ قُوَّامُ اللَّهِ عَلَى خَلْقِهِ، وَعُرَفَاؤُهُ [٢] عَلَى عِبَادِهِ؛ وَلَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ عَرَفَهُمْ وَعَرَفُوهُ.
وَلَا يَدْخُلُ النَّارَ إِلَّا مَنْ أَنْكَرَهُمْ وَأَنْكَرُوهُ»
. وهذه العبارة تفيد أنّ نصب الإمام عليه السلام من قبل اللَّه تعالى لا من قبل الناس وإن كانت هنالك من بيعة وإنتخاب فبغية تنسيق الأعمال والنهوض بمستوى الأُمّة وتطوير شؤونها، والمفردة
«قُوَّامُ»
إشارة إلى تدبير شؤون الخلق والعرفاء جمع عريف إشارة إلى أنّ هؤلاء الأئمّة بفعل معرفتهم بالآخرين وعلمهم بالظروف الزمانية والمكانية وخبرتهم بمصالح الناس ومفاسدهم إنّما يضعون كلّ فرد في موضعه المناسب ويباشرون كلّ عمل بموعده وفي وقته.
وأمّا العبارة
«وَلَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ
...
وَلَا يَدْخُلُ النَّارَ»
تأكيد لما قيل في العبارات السابقة؛ فلو سلّمنا أنّهم نُصبوا من قبل اللَّه، فمن تبعهم وسار على نهجهم وقبلوا عمله كان من الداخلين إلى الجنّة، ومن أنكرهم فقد أنكر في واقع الأمر أوامر اللَّه،
[١]. شرح نهج البلاغة لابن أبيالحديد، ج ٩، ص ١٥٣
[٢]. «عرفاء» جمع عريف، بمعنى رئيس القوم الذي يدير أمورهم ويعرفه جميعهم