نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٢٦ - الشرح والتفسير حضور المحكمة الإلهيّة
أجل، فالإنسان الذي لا يتحمل الوحدة لساعة ويعيش دائماً بين صحبه وقرابته وأهله، لا يكاد يغمض عينيه عن هذه الدنيا حتى يفارق الجميع وإلى الأبد فينزل حفرة مظلمة ومرعبة في وحدة وغربة مطلقة، فيالها من غربة أليمة صعبة، اللّهم إلّا أن يظفر بأصحاب جدد من أعماله الصالحة فتجعل الملائكة قبره روضة من رياض الجنّة، لا حفرة من حفر النار.
قال الإمام الصادق عليه السلام
«إنَّ لِلقَبْرِ كَلاماً فِي كُلِّ يَومٍ يَقُولُ: أَنا بَيْتُ الغُربَةِ، أَنْا بَيْتُ الوَحشَةِ، أَنا بَيْتُ الدُّودَ، أَنا القَبْرِ، أَنا رَوضَةٌ مِنْ رِياضِ الجَنَّةِ أَو حُفْرَةٌ مِنْ حُفَرِ النَّارِ» [١].
وأخيراً ما أن يفرغ الإمام عليه السلام من بيان الموت والقبر حتى يتجه صوب القيامة ومحكمة العدل الإلهي ليحذر الجميع قائلًا:
«وَكَأَنَّ الصَّيْحَةَ قَدْ أَتَتْكُمْ، وَالسَّاعَةَ قَدْ غَشِيَتْكُمْ، وَبَرَزْتُمْ لِفَصْلِ الْقَضَاءِ، قَدْ زَاحَتْ عَنْكُمُ الْأَبَاطِيلُ، وَاضْمَحَلَّتْ عَنْكُمُ الْعِلَلُ، وَاسْتَحَقَّتْ بِكُمُ الْحَقَايِقُ، وَصَدَرَتْ بِكُمُ الْأُمُورُ مَصَادِرَهَا»
. «وَكَأَنَّ الصَّيْحَةَ»
، في العبارة، إشارة إلى صيحة القيامة التي توقظ جميع الموتى وتنشرهم من قبورهم وتدفعهم إلى الحساب. يستفاد من الآيات والروايات أنّ العالم ينتهي بصيحة عظيمة يقال لها نفخة الصور الأُولى، ثم تتبعها صيحة عظيمة أخرى تدعى نفخة الصور الثانية، وما ورد في الخطبة بقرينة ما بعدها من عبارات، إشارة إلى النفخة الثانية. والتعبير بالساعة، إشارة إلى القيامة، لأنّ الساعة تعني في الأصل، برهة من الزمان أو لحظة عابرة، ولما كان قيام الساعة سريعاً والحساب أيضاً سريعاً لاستناده للَّهسريع الحساب فقد عبّر عن القيامة بالساعة.
«لِفَصْلِ الْقَضَاءِ»
، القضاء الذي يفصل الحق من الباطل وزوال الأباطيل واضمحلال العلل، إشارة إلى خلو القيامة من الكذب والاعذار الواهية والحجج الجوفاء وكل ما هنالك هو الحق والحقيقة. والعبارة
«وَصَدَرَتْ بِكُمُ الْأُمُورُ
[١]. بحار الأنوار، ج ٦، ص ٢٦٧؛ اصول الكافي، ج ٣، ص ٢٤٢