نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٣٢ - الشرح والتفسير الجنّة أمامكم
والخارجية- والذي يفرزه جاذبية القمر وجزره ومده- فإنّ الجبال تعتبر بمثابة الأوتاد التي تحول دون تصدع الأرض. أمّا قوله: إنّ اللَّه جعلها للخلق اعتماداً، ذلك لأنّ الجبال تحطم الرياح الشديدة العاتية وتمنع العواصف الرملية والسيول الخطيرة، أضف إلى ذلك فإنّ أغلب الأنهار والعيون تنحدر من الجبال وهي مركز أكثر المعادن المفيدة، إلى جانب بناء البيوت والقلاع المحكمة فيها، سيما المناطق التي تكون عرضة للسيول إنّما تلجأ لبناء الدور هناك خلاصاً من هذا الخطر. والسؤال ما الذي أراد أن يطلبه الإمام عليه السلام من اللَّه في هذا الدعاء. قال عليه السلام
«إِنْ أَظْهَرْتَنَا عَلَى عَدُوِّنَا، فَجَنِّبْنَا الْبَغْيَ وَسَدِّدْنَا لِلْحَقِّ؛ وَإِنْ أَظْهَرْتَهُمْ عَلَيْنَا فَارْزُقْنَا الشَّهَادَةَ، وَاعْصِمْنَا مِنَ الْفِتْنَةِ».
فقد أشار الإمام عليه السلام بهذا الدعاء إلى هذه الحقيقة وهي أنّ الكثير ربّما يفارق العدالة حين النصر والغلبة في المعركة ويمارس الظلم بحق العدو، ومن هنا يسأل اللَّه في حالة النصر ابعاده عن هذا العمل أولًا، وثانياً، كثيرون هم الأفراد الذين ينشدون النصر ارضاء لغرورهم والسيطرة على الآخرين. الإمام عليه السلام يدعو اللَّه أن يسدده للحق وإقامة العدل إن كتب له النصر، وثالثاً، على فرض كون الغلبة للأعداء فإنّه يسأل اللَّه الشهادة والاعتصام من الفتنة. الفتنة هنا يمكن أن تكون إشارة إلى الامتحان، ذلك لأنّ ساحة القتال من ميادين الامتحانات الصعبة وعلى الإنسان أن يسأل اللَّه تثبيته في القتال. فالفرد الذي يعتقد أنّه على الحق ربّما ينقم حظه إن أصابه شيء، وينطلق لسانه بالشكوى وهذا فشل في ميدان الامتحان.
ثم دعى الإمام عليه السلام أصحابه لمواجهة العدو من خلال عباراته المؤثرة في الدعاء فقال:
«أَيْنَ الْمَانِعُ لِلذِّمَارِ [١]، وَالْغَائِرُ [٢] عِنْدَ نُزُولِ الْحَقَائِقِ [٣] مِنْ أَهْلِ الْحِفَاظِ! [٤] العَارُ
[١]. «ذمار» ما يجب على الإنسان حفظه كالأهل والعرض والوطن، ومن ذمر، على وزن رمل، بمعنى اللوموالتوبيخ، فهي تطلق بهذا المعنى على من يقصر في حفظ الأهل والشرف والوطن حيث يستحق اللوم
[٢]. «غائر» بمعنى الغيور
[٣]. «حقايق» جميع حقيقة، تشير هنا إلى النوازل التي تحل بالإنسان أو المجتمع والوطن
[٤]. «حفاظ» من مادة (حفظ) تعني هنا، الوفاء بالعهد ورعاية الذمة