نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٤ - الشرح والتفسير الموعظة البالغة
بما جنوا من تلك الأموال الطائلة والقصور الفارهة والبساتين الواسعة والخدم والحشم لكنّهم ودّعوها في الحال وأصبحوا تحت التراب.
كأنّ العبارة الأولى تشير إلى أولئك الأفراد الذين لم ينتفعوا قط بإمكاناتهم (مثلًا شيّدوا قصراً فلم يتنعموا به حتى أتاهم الأجل). والعبارة الثانية إشارة إلى أولئك الذين تمتعوا قليلًا بإمكاناتهم ثم حال بينهم وبينها الموت من قبيل ذلك الذي بنى قصراً، وما أن حلّ فيه حتى أخرجه الموت منه.
ثم استطرد الإمام عليه السلام ليسدى بعض النصائح والمواعظ التي تقود إلى السعادة والفلاح بعد أن حذّر من الحياة العصيبة التي يعيشها أهل الغفلة
«إِنِّي أُحَذِّرُكُمْ، وَنَفْسِي، هذِهِ الْمَنْزِلَةَ»
. ثم بين أثر ذلك، سبيل النجاة من هذه الغفلة القاتلة من خلال خمسة تعاليم فقال:
«فَلْيَنْتَفِعِ امْرُؤٌ بِنَفْسِهِ، فَإِنَّمَا الْبَصِيرُ مَنْ سَمِعَ فَتَفَكَّرَ، وَنَظَرَ فَأَبْصَرَ، وَانْتَفَعَ بِالْعِبَرِ، ثُمَّ سَلَكَ جَدَداً [١] وَاضِحاً يَتَجَنَّبُ فِيهِ الصَّرْعَةَ فِي الْمَهَاوِي [٢]،
وَالضَّلَالَ فِي الْمَغَاوِي [٣]»
فالإمام عليه السلام يخاطب نفسه والآخرين بادىء الأمر ليأخذ النصح موضعه من قلوب الآخرين، وذلك لأنّ المستمع إنّما يتفاعل مع الواعظ الذي يمزج القول بالعمل ولا يترفع عن الآخرين. ثم يحذّر الجميع من أنّ اللَّه أسبغ عليهم ما لا يُحصى من النعم وأودعهم مختلف الإستعدادات والقابليات بغية استثمارها والإنتفاع بها من خلال تفعيل السمع بالأذن والنظر بالعين والإنفتاح على تجارب الآخرين وسلوك السبيل القويم الذي يجنبهم الإنحراف والضلال.
وأخيراً يحذّر الإمام عليه السلام من تمكين الغواة من النفس:
«وَلَا يُعِينُ عَلَى نَفْسِهِ الْغُواةَ [٤] بِتَعَسُّفٍ [٥] فِي حَقٍّ، أَوْ تَحْرِيفٍ فِي نُطْقٍ، أَوْ تَخَوُّفٍ مِنْ صِدْقٍ»
. إشارة إلى أنّ
[١]. «جدد» و «جادة» بمعنى واحد يطلق على الطريق السهل الذي لا تغوص فيه القدم.
[٢]. «مهاوي» جمع مهواة، على وزن مقلاة الخفرة التي يسقط فيها الإنسان.
[٣]. «مغاوي» جمع مغواة، على وزن مقلاة، الشبهة المضلة.
[٤]. «غواة» جمع غاوي، الشخص الضال
[٥]. «تعسف» من مادة (عسف) على وزن خسف، المشي على غير هدى، ومن هنا يقال للظالم متعسف لأنّه يسير بغير هدى.