نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٨ - الشرح والتفسير الشمس التي أشرقت في الظلام
الذنوب والمعاصي.
ولا تبدو طاعة اللَّه والاحتراز من الذنب والمعصية ممكنة دون تسديد اللَّه وتوفيقه، وذلك لأنّ طريق الطاعة واجتناب المعصية صعب مليئبالمطبّات والعوائق، ثم يقر للَّهبالوحدانية وللنبي الأكرم صلى الله عليه و آله بالرسالة فيقول:
«وَأَشْهَدُ أَنْ لَاإِلهَ إِلَّا اللَّهُ.
وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَنَجِيبُهُ وَصَفْوَتُهُ»
. وذهب أغلب شرّاح نهج البلاغة إلى أنّ
«نجيبه» و «صفوته»
بمعنى واحد هو الانتخاب والاصطفاء وكل منهما يؤكّد الآخر، والصحيح أنّ هنالك فارقاً بين المفردتين. بالنظر إلى أنّ النجيب يعني النفيس، والمفردة الأُولى في الواقع ممهدة للمفردة الثانية؛ لأنّ الشيء يصطفى حين يكون نفيساً قيّما، ثم واصل الإمام عليه السلام كلامه بالإشارة إلى صفتين من صفات النبي الأكرم صلى الله عليه و آله فقال:
«لَا يُؤَازَى فَضْلُهُ، وَلَا يُجْبَرُ فَقْدُهُ»
حقّاً يتعذر تعويض الشيء الذي لا نظير له حين يفقد، كما أشار في آخر صفة إلى آثار النبي صلى الله عليه و آله الوجودية في تلك الظروف التي شهدها عصر الجاهلية حيث أشرقت بنور وجوده البلاد التي كانت غارقة في لجج الضلالة والظلمة وقد استحوذ الجهل على أفكار أهلها فقست قلوبهم وطفحت بالجمود:
«أَضَاءَتْ بِهِ الْبِلَادُ بَعْدَ الضَّلَالَةِ الْمُظْلِمَةِ، وَالْجَهَالَةِ الْغَالِبَةِ، وَالْجَفْوَةِ الْجَافِيَةِ [١]»
. وذلك حين كان الناس يستحلون الحرمات ويحتقرون العلماء في ظل الفترة وغياب أولياء اللَّه وهم يموتون على الكفر ومجانبة الدين
«وَالنَّاسُ يَسْتَحِلُّونَ الْحَرِيمَ، وَيَسْتَذِلُّونَ الْحَكِيمَ؛ يَحْيَوْنَ عَلَى فَتْرَةٍ، وَيَمُوتُونَ عَلَى كَفْرَةٍ!»
. فهذه الصفات السبع التي أوردها الإمام عليه السلام بعبارات مجملة بشأن عهد الجاهلية إنّما تجسد صورة رائعة عن ذلك الزمان الذي اتسم بالضلال، والجهل، والقسوة، واستحلال الحرمات، والإستخفاف بالعلماء، وانعدام وجود القائد والمرشد، والموت على الكفر.
وقد بلغ ضلال القوم مرتبة من الفضاعة إلى الحد الذي جعلهم يفخرون بجناياتهم
[١]. «الجفوة» بمعنى القسوة