نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٥٧ - الشرح والتفسير
يريد أن يقول إنّكم دائماً تحثون الخطى باتّجاه التشتت والفرقة وليس هناك ما يوحّد كلمتكم، لا العناصر التي ترضيني ولا النواهي عن الأمور التي تغضبني، والفرقة هي أهم عوامل فشلكم، فأنتم لا تمتثلون لأوامري ولا تنتهون بنهيي، كما يحتمل أن يكون مراد الإمام عليه السلام أنّكم تجتمعوا على ما يخالف رغبتكم أو يطابقها، كمن يقول للمريض انك لا تتناول الدواء المر ولا الحلو، أي إن لم تقبل الأول فاقبل الثاني، كحد أدنى. ثم تشتعل النار في قلب الإمام عليه السلام بعد ذلك الذم والتوبيخ فيقول:
«وَإِنَّ أَحَبَّ مَا أَنَا لَاقٍ إِلَيَّ الْمَوْتُ!»
. حقّاً إنّها لفاجعة أن تبلغ الحالة درجة يتمنى معها هذا الجبل الشامخ الذي يفيض صبراً وتحمّلًا الموت. نعم أحياناً يصيب الإنسان من صحبه الغدرة الفجرة ما لا يصيبه من أعدائه وهنا يتمنى الإنسان الموت، الموت الذي يفرق بينه وبين مثل هؤلاء الأفراد الناكرين للجميل المنحرفين عن الحق.
ثم تطرق الإمام عليه السلام إلى أياديه الثقافية والتربوية لأُمّة الإسلامية سيما بالنسبة لصحبه فأشار إلى أربعة مواضيع مهمّة فقال:
«قَدْ دَارَسْتُكُمُ [١] الْكِتَابَ»
. طبعاً القرآن كان بأيدي المسلمين يتلونه أثناء الليل والنهار ولم تكن هنالك من حاجة لتدريس الإمام عليه السلام، فالمراد فهم مضمون القرآن الكريم وسبر أغواره والوصول إلى مفاهيمه حيث يعتبر الإمام عليه السلام المفسّر الأول بعد رسول اللَّه صلى الله عليه و آله، فكان يفسّر للناس آيات القرآن ويستشهد بها في أغلب خطبه، ثم تطرق إلى خدمته الثانية للأمة فقال:
«وَفَاتَحْتُكُمُ الْحِجَاجَ [٢]»
. أي علمتكم الأدلة العقلية كحجة شرعية بعد الأدلة النقلية.
وقال في الخدمة الثالثة:
«وَعَرَّفْتُكُمْ مَا أَنْكَرْتُمْ»
فقد كشفت لكم الغطاء عن مكنون كثير من الحقائق الخافية عليكم وكنتم تجهلونها، كما يمكن أن يكون لهذه العبارة مفهومٌ آخر هو انكاركم لبعض المسائل واتخاذكم مواقف أخرى منها بفعل
[١]. «دارستكم» من مادة (مدارسة) بمعنى، التدريس والتعليم والتفهيم
[٢]. «حجاج» جمع حجة، بمعنى الدليل والبرهان، ولها أحياناً معنى مصدري وتستعمل بصيغة المفرد