نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١١٨ - الشرح والتفسير تقلب الدنيا
التقوى ملكة باطنية قوية تحول دون مقارفة الإنسان للذنب وهذا ما يؤدّي بدوره إلى الاحتراز من انعكاسات الذنب الخطيرة في الدنيا والآخرة، بعكس الأفراد المجانبين للورع والتقوى والذين يصبحون عرضة لنفوذ الشياطين وأهواء النفس وبالتالي السقوط في مستنقع الذنب والفضيحة في الدنيا وسوء العذاب في الآخرة.
ثم تطرق عليه السلام إلى آثار التقوى فقال:
«أَلَا وَبِالتَّقْوَى تُقْطَعُ حُمَةُ [١] الْخَطَايَا،
وَبِالْيَقِينِ تُدْرَكُ الْغَايَةُ الْقُصْوَى»
فالإمام عليه السلام يشبه سطوة الذنوب بالحشرات السامة كالحية والعقرب. نعم، فالتقوى هي التي تمنح الإنسان الحياة، ولما كانت التقوى واليقين لازماً وملزوماً لبعضهما البعض فقد صرح الإمام عليه السلام بأنّ من ينطق باليقين يبلغ الهدف، والتقوى تزيل عقبات الطريق ولا يفرز عدم التقوى سوى ضعف اليقين.
فهل يسع من يوقن بهذه الآية:
«إنَّ الَّذِينَ يَأكُلُونَ أمَوالَ اليَتامى ظلماً إِنَّما يَأَكُلُونَ فِي بُطُونِهِم ناراً» [٢]
أن يأكل مال اليتيم؟ وهل يسعك أن تجد شخصاً يتناول قطعة من النار ويضعها في فمه؟! ثم قال في اطار حثّ الآخرين على التزود من الدنيا للآخرة:
«عِبَادَ اللَّهِ، اللَّهَ اللَّهَ فِي أَعَزِّ الْأَنْفُسِ عَلَيْكُم، وَأَحَبِّهَا إِلَيْكُمْ»
. قطعاً المراد من (أعز الأنفس) في هذه العبارة نفس الإنسان، ذلك لأنّ حب الذات مسألة طبيعية لدى الإنسان وإن تعلق بشخص أو شيء ففي ظل غريزة حب الذات (بغض النظر عن أولئك الذين تجاوزوا ذواتهم ولم يعودوا يروا سوى اللَّه وذاته المطلقة ولا يرومون سواه. على كل حال، فالمراد: إن لم ترحموا أحدا فعلى الأقل ارحموا أنفسكم وإن غفلتم عن مصالح الآخرين فلا تغفلوا عن مصالحكم، فهذا الأمر مودع في فطرتكم.
ثم حذر قائلًا:
«فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ أَوْضَحَ لَكُمْ سَبِيلَ الْحَقِّ وَأَنَارَ طُرُقَهُ. فَشِقْوَةٌ لَازِمَةٌ، أَوْ سَعَادَةٌ دَائِمَةٌ!»
. وخاض أخيراً في بيان أسباب نيل السعادة الدائمة واجتناب
[١]. «حمة» بالضم، على وزن قوة، بمعنى لسع الحشرات والعقارب وما شابه ذلك، كما تطلق على سمها أيضاً
[٢]. سورة النساء، الآية ١٠