نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١١٢ - الشرح والتفسير انعطافة على المبدأ والمعاد
النبي صلى الله عليه و آله بأمره وقد صدر بسورة الحمد [١]. أو أنّها إشارة إلى بعض السور القرآنية التي تصدرت بالحمد كسورة الحمد والأنعام والكهف وسبأ وفاطر. أو أنّ الذكر مطلق ذكر اللَّه كما ورد في الأحاديث عن النبي صلى الله عليه و آله أنّه قال:
«كل كلام لا يبدأ فيه بحمد اللَّه فهو أجذم» [٢]
. ومن هنا نشاهد أغلب خطب النبي الأكرم صلى الله عليه و آله والمعصومين عليهم السلام تستهل بحمد اللَّه والثناء عليه. والعبارة (سبباً للمزيد من فضله) إشارة للآية الكريمة:
«لَئن شَكَرتُم لأزِيدَنَّكُم» [٣]
وهنا لابدّ من الإلتفات إلى أنّ الحمد ورد في أغلب الآيات القرآنية بمعنى الشكر. والعبارة (دليلًا على عظمته وآلائه) إشارة إلى أننا حين نحمد اللَّه ونشكره فإننا نكون قد توجهنا إلى نعمه وآلائه إلى جانب التفاتنا لمقام عظمته.
ثم خاطب الإمام عليه السلام عباد اللَّه ليحذّرهم من تقلب الدنيا ويوصيهم بالاعتبار بمن سبقهم من الماضين فقال:
«عِبَادَ اللَّهِ، إِنَّ الدَّهْرَ [٤] يَجْرِي بِالْبَاقِينَ كَجَرْيِهِ بِالْمَاضِينَ»
. والعبارة تشير إلى موضوع معروف في أنّ التاريخ يعيد نفسه وأنّ حوادث اليوم هي حوادث الأمس بتغيير طفيف. ويقول موضحاً ذلك
«لَا يَعُودُ مَا قَدْ وَلَّى مِنْهُ، وَلَا يَبْقَى سَرْمَداً مَا فِيهِ، آخِرُ فَعَالِهِ، كَأَوَّلِهِ. مُتَشَابِهَةٌ أُمُورُهُ، مُتَظَاهِرَةٌ أَعْلَامُهُ».
أجل، لو تمعنا قليلًا لعرفنا أنّ سلسلة من الأصول تحكم تاريخ البشرية وأنّها تبرز كل يوم بصيغة جديدة، ومن هنا يستطيع كل فرد الوقوف على مستقبله من خلال دراسة تاريخ الماضين، ذلك أنّ تاريخ الأمس مرآة عاكسة لأحداث اليوم. فهنالك على الدوام فئة تمسك بزمام الأمور وتسيطر على كل شيء ولا تمضي عليها مدّة حتى
[١]. أكدنا على هذا الاحتمال في بحث سورة الحمد في التفسير الأمثل واعتبرنا تسميتها من قبل الرواياتبفاتحة الكتاب دليلًا على ما ذهبنا إليه
[٢]. فقه السنة، ج ٢، ص ٢٣٠ (كما وردت بعض الروايات بهذا الخصوص في كتاب المغني لابن قدامة ونيلالأوطار للشوكاني)
[٣]. تفيد هذه العبارة أنّ الاحتمال الثالث أنسب الاحتمالات
[٤]. «الدهر» حسب الراغب في المفردات أنّها في الأصل اسم لعمر العالم، ثم أطلقت على معنى أوسع يشملالزمان وتاريخ الحياة البشرية، كما تستعمل بمعنى ناس عصر معين وخالق الزمان أيضاً