نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٦٠ - الخوف والرجاء
النيران بالنسبة لتلك الومضة، فكيف يتعرف الإنسان على هذين الميدانين للخوف فيخاف الومضة ولا يخاف بحار النار؟! طبعاً يمكن أن يكون منشأ هذا التفاوت، الأمل المفرط بلطف اللَّه وكرمه والذي تفرزه بالطبع الغفلة، لأنّه أرحم الراحمين في موضع العفو والرحمة وأشد المعاقبين في موضع النكال والنقمة. ولما كان هذا التعامل الازدواجي تجاه اللَّه والعباد ناشىء من ضعف المعرفة وضيق الافق، فقد خاض الإمام عليه السلام في اختتامه لهذا الكلام في هذا التعامل الازدواجي للإنسان حيال الدنيا والآخرة، فقال:
«وَكَذلِكَ مَنْ عَظُمَتِ الدُّنْيَا فِي عَيْنِهِ، وَكَبُرَ مَوْقِعُهَا مِنْ قَلْبِهِ، آثَرَهَا عَلَى اللَّهِ تَعَالَى، فَانْقَطَعَ إِلَيْهَا، وَصَارَ عَبْداً لَهَا».
أجل، أنّ عبيد الدنيا عديمو المعرفة لا يرون سوى متاع الدنيا الزائل وحطامها الفاني ويغفلون عن نعيم الآخرة الدائم، وهذا ما يدعوهم لايثار الدنيا على الآخرة وتقديم رضا المخلوق على الخالق. على العكس من عباد اللَّه من أهل الورع والتقوى الذين وصفهم الإمام عليه السلام في خطبة المتقين:
«عَظُمَ الخالِقُ فِي أَنْفُسِهِم فَصَغُرَ ما دُونَهِ فِي أَعْيُنِهِم».
العبارة
«فَانْقَطَعَ إِلَيْهَا، وَصَارَ عَبْداً لَهَا»
إشارة إلى حقيقة هي أنّ طلاب الدنيا عادة ما ينتهي بهم الأمر إلى الخروج عن عبودية اللَّه والاشتغال بعبودية الدنيا وطاعة النفس والهوى والشيطان، وبالتالي الخروج من معسكر التوحيد وعبودية اللَّه إلى معسكر الشرك وعبودية الدنيا. أجل عاقبة أمرهم ماآل إليه أمر عمر بن سعد حيث لم ير شيئاً سوى الدنيا متمثلة بملك الري وغفل عن عذاب جهنم ونعيم الجنّة فاختار ذلك الموقف:
|
ألا إنَّما الدُّنْيَا لِخَيْرٌ مِعَجَّلٌ |
فَمَا عَاقِلٌ باعَ الوُجُودَ بِدَيْنِ [١] |