نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٤٥ - الشرح والتفسير خصائص الحاكم العادل والظالم
الناس حتى تعذر تمييز الحق من الباطل وسفكت تلك الدماء الغزيرة، ثم امتدت تلك الاضطرابات لقرون. راجع المزيد بشأن عوامل القيام ضد عثمان الجزء الأول والثاني من هذا الكتاب [١].
ثم أشار الإمام عليه السلام إلى أهم عنصر يقف وراء انحراف عثمان- والذي جرّ عليه كل تلك الويلات- والمقصود من طاعته العمياء لمروان، فقال عليه السلام:
«فَلَا تَكُونَنَّ لِمَرْوَانَ سَيِّقَةً [٢] يَسُوقُكَ حَيْثُ شَاءَ بَعْدَ جَلَالِ [٣] السِّنِّ وَتَقَضِّي الْعُمُرِ».
ورد في التاريخ أنّ عمر عثمان كان آنذاك ٨٢ سنة [٤]. لا شك أنّه كان لمروان الدور الأساسي في حكومة عثمان بحيث كان سير الأمور حسب رغباته، وحتى حين استمع عثمان لنصائح الإمام عليه السلام وعزم على الاعتذار من الأُمّة، اعترضه مروان بشدّة وحال دون إصلاحه لأخطائه، والواقع أنّه صب الزيت على فتيل النار التي أوقدها الناس حتى طالت حياة عثمان، وربّما كان ذلك يستند إلى خطة تمكنه أو تمكن معاوية من استلام زمام الأمور بعد عثمان.
فلما بلغ الإمام عليه السلام هذا الموضع من كلامه استجاب له عثمان وتأثر شديداً:
«فَقَالَ لَهُ عُثْمَانُ: كَلِّمِ النَّاسَ فِي أَنْ يُؤَجِّلُونِي، حَتَّى أَخْرُجَ إِلَيْهِمْ مِنْ مَظَالِمِهِمْ.
فَقَالَ عليه السلام: مَا كَانَ بِالْمَدِينَةِ فَلَا أَجَلَ فِيهِ، وَمَا غَابَ فَأَجَلُهُ وُصُولُ أَمْرِكَ إِلَيْهِ»
. إشارة إلى أنّ المهلة في هذه الحالات الحادة قد تقود إلى ثورة عارمة فلا معنى لهذه المهلة، إضافة إلى أنّ المهلة إنّما تهدف إلى إعداد المقدمات، وإعادة حقوق الناس لا تحتاج إلى أي مقدمات، فما كان في المدينة لابدّ من إصدار الأوامر بشأنه فوراً
[١]. نفحات الولاية، ج ١، ص ٢٤٤ علل القيام ضد عثمان، ج ٢، ص ١٥٢ عوامل قتل عثمان وكذلك الجزء الثاني بعنوان الأعمال التي مارسها عثمان ودعت إلى الغضب العارم
[٢]. «سيقة» على وزن (سيدة) صفة مشبهة من مادة سوق، على وزن فوق، بمعنى ما يستاق من الدواب إلى هذا الجانب أو ذاك، وتعني أحياناً ما يستاقه العدو من الحيوانات
[٣]. «جلال» بمعنى الكبر، وجلال السن، بمعنى السن الرفيعة
[٤]. تاريخ الطبري، ج ٣، ص ٤٤١ وهنالك أقوال أخرى في سن عثمان آنذاك وأغلبها ترى أنّ عمره كان ٨٢ سنة