نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٣١ - الشرح والتفسير الأرفع من الخيال والوهم
ثم أشار عليه السلام إلى مرحلة الولادة والرضاعة في احضان الأُم فقال:
«ثُمَّ أُخْرِجْتَ مِنْ مَقَرِّكَ إِلَى دَارٍ لَمْ تَشْهَدْهَا، وَلَمْ تَعْرِفْ سُبُلَ مَنَافِعِهَا»
. نعم، يرد من ذلك القرار المكين والمكان الآمن إلى الدنيا لا يعرف منها شيئاً، فلا يعرف الغذاء اللازم ولا الإرادة للحصول عليه ولا كيفية تناوله، لا يعرف وسائل النمو، ولا معوقاته، ولا يعرف أسلوب التعايش ولا التعامل مع الآخرين، فإن لم يأخذ اللطف الإلهي بيده وتشمله الهداية التكوينية لعجز قطعاً عن مواصلة الحياة، غير أنّ اللَّه الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هداه يحفه بعنايته فيتجاوز الطرق الوعرة بحكم الغزيزة التي أودعها اللَّه إيّاه.
لذلك واصل الكلام عليه السلام قائلًا:
«فَمَنْ هَدَاكَ لِاجْتِرَارِ [١] الْغِذَاءِ مِنْ ثَدْيِ أُمِّكَ،
وَعَرَّفَكَ عِنْدَ الْحَاجَةِ مَوَاضِعَ طَلَبِكَ وَإِرَادَتِكَ!»
. حقّاً من علم الوليد أنّ غذاءه في ثدي أُمّه؟ عليك أن تضغط بأصابع يدك الصغيرة وتمتص ما في الثدي من اللبن بفمك الصغير؟! من علمه ذلك البكاء بالصوت الحزين ليعلن من خلاله عن حاجاته كافة؟! العطش والجوع والحر والبرد والمرض والحاجة إلى النوم؟! والغريب أنّ فراخ الطيور والدواب وسائر الحيوانات يندفع كل منها بطريق عجيب نحو حاجته.
ثم اختتم الخطبة بهذه النتيجة:
«هَيْهَاتَ [٢]، إِنَّ مَنْ يَعْجِزُ عَنْ صِفَاتِ ذِي الْهَيْئَةِ
وَالْأَدَوَاتِ فَهُوَ عَنْ صِفَاتِ خَالِقِهِ أَعْجَزُ، وَمِنْ تَنَاوُلِهِ بِحُدُودِ الْمَخْلُوقِينَ أَبْعَدُ!»
. أجل، لا يمكن حقّاً الوقوف على عجائب وغرائب عالم الخلق وسبر غور أسراره.
فإن عجزنا عن إدراك بعض ما يتعلق بمخلوقات اللَّه فأنّى لنا بالوقوف على كنه الذات والصفات الغنية عن الحدود من جميع الجهات. البنية المعقدة للأعصاب والقلب والعروق والخلايا والجينات ومختلف الغرائز التي أودعها اللَّه أجسامنا لمن المسائل التي شغلت أذهان العلماء لقرون وما زالوا يعترفون بكثرة المجاهيل التي
[١]. «اجترار» من مادة (جر) بمعنى الجر الشيء وسحبه
[٢]. «هيهات» اسم فعل يفيد البعد