نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣١١ - الشرح والتفسير أسباب تأخير عقوبة قتلة عثمان
كما واصل كلامه بأنّ الاشتباك مع قتلة عثمان يؤدّي إلى تفرقة صفوف المجتمع، فقال:
«إِنَّ النَّاسَ مِنْ هذَا الْأَمْرِ- إِذَا حُرِّكَ- عَلَى أُمُورٍ: فِرْقَةٌ تَرَى مَا تَرَوْنَ، وَفِرْقَةٌ تَرَى ما لَاتَرَوْنَ، وَفِرْقَةٌ لَاتَرَى هذَا وَلَا ذَاكَ، فَاصْبِرُوا حَتَّى يَهْدَأَ [١] النَّاسُ، وَتَقَعَ
الْقُلُوبُ مَوَاقِعَهَا، وَتُؤْخَذَ الْحُقُوقُ مُسْمَحَةً [٢]».
ثم أورد تأكيداً آخر:
«فَاهْدَؤُوا عَنِّي، وَانْظُرُوا مَاذَا يَأْتِيكُمْ بِهِ أَمْرِي، وَلَا تَفْعَلُوا فَعْلَةً تُضَعْضِعُ [٣] قُوَّةً، وَتُسْقِطُ مُنَّةً [٤]، وَتُورِثُ وَهْناً وَذِلَّةً»
. إشارة إلى أنّ عدم التأني في القضايا الاجتماعية ربّما يعطي نتائج معكوسة، فلا ينبغي القيام بفعل دون توفر شروطه، ذلك لأنّ الاخفاق فيه يؤدّيالذلة والهوان. كما ورد شبيه ذلك في الخطبة الخامسة:
«وَمُجْتَنِى الثَّمَرَةِ لِغَيْرِ وَقْتِ إِيناعِها كَالزَّارِع بِغَيْرِ ارْضِهِ» [٥].
وأخيراً اختتم الخطبة بهاتين العبارتين:
«وَسَأُمْسِكُ الْأَمْرَ مَا اسْتَمْسَكَ. وَإِذَا لَمْ أَجِدْ بُدّاً فَآخِرُ الدَّواءِ الْكَيُ [٦]»
. ربّما تكون هذه العبارة بفعل ضغوط طلبة الثأر لدم عثمان، حيث قال عليه السلام: سأصمد ولن ألجأ إلى السيف، لكن إن شعرت بغلق أبواب السلام فسأضطر إلى القوّة وأنهي التمرد. الاحتمال الآخر أنّ هذه العبارة إشارة إلى أولئك الذين تذرّعوا بدم عثمان ليقفوا بوجه الإمام عليه السلام كطلحة والزبير. فصرّح الإمام عليه السلام بإنّه سيعاملهم بالطرق السلمية وإلّا لجأ إلى القوة. طبعاً لا يبدو هذا الاحتمال منسجماً مع الخطبة، حيث لم ترد أدنى إشارة في الكلام إلى طلحة والزبير وأمثالهما، إلّاأن يكون السيد الرضي قد حذف بعض الكلمات، وهذا أيضاً يبدو مستبعداً. أمّا العبارة
«فَآخِرُ الدَّواءِ الْكَيُّ»
فهو مثل معروف ورد في الأصل بشأن
[١]. «يهدأ» من مادة (هدوء)، معروفة
[٢]. «مسمحة» من مادة (سماح وسماحة) السهولة واليسر، وتعني أحياناً السخاء والكرم أو الموافقة، والمعنى الأول هو المراد بها في العبارة
[٣]. «تضعضع» من مادة (ضعضعة) بمعنى الهدم والتخريب
[٤]. «منّة» بمعنى القوة
[٥]. نفحات الولاية، ج ١، ص ٢٨٩
[٦]. «كي» على وزن حي، احراق بدن الإنسان أو الحيوان بحديدة ساخنة وما شابه ذلك