نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٣٨ - الشرح والتفسير إتمام الحجة على عثمان
ظلم الولاة وعمال الخليفة- حتى قتلوا عثمان [١]. آنذاك تعالت الأصوات التي ضجت من ظلم عثمان، فقدم جماعة من الناس إلى الإمام عليه السلام وسألوه وضع حد لتلك الأوضاع بطريقة سلمية، فيكون عليه السلام سفيرهم إلى عثمان ويتم الحجة عليه. فأورد الإمام عليه السلام ذلك الكلام بما يجعله وبطانته يكفون عن الظلم. وكلام الإمام عليه السلام في هذه الخطبة يتضمن براعة البلاغة والفصاحة والقضايا النفسية الدقيقة أملًا في عودة الطرف المقابل إلى رشده ولعلّه يلتفت إلى الأخطار المحدقة بالإسلام والعالم الإسلامي. وقد تحدث الإمام عليه السلام بادىء الأمر عن علم عثمان ومعرفته بالأحكام الإسلامية بشأن رعاية حقوق الناس والإبتعاد عن الظلم والجور فقال:
«إِنَّ النَّاسَ وَرَائِي وَقَدِ اسْتَسْفَرُونِي [٢] بَيْنَكَ وَبَيْنَهُمْ، وَوَاللَّهِ مَا أَدْرِي مَا أَقُولُ لَكَ! مَا أَعْرِفُ شَيْئاً
تَجْهَلُهُ، وَلَا أَدُلُّكَ عَلَى أَمْرٍ لَاتَعْرِفُهُ. إِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نَعْلَمُ. مَا سَبَقْنَاكَ إِلَى شَيْءٍ فَنُخْبِرَكَ عَنْهُ، وَلَا خَلَوْنَا بِشَيْءٍ فَنُبَلِّغَكَهُ»
. من الواضح أنّ عبارات الإمام عليه السلام لا تعني أنّ عثمان بمصاف الإمام علي عليه السلام في العلم والمعرفة، بل مراده أنّ عثمان كان يعلم بالأحداث التي وقعت وسوء الظلم والجور وضرورة رعاية حقوق الناس، وهي الأمور العادية التي يتساوى فيها عثمان مع عامة الناس الذين كانوا يعرفون تلك الأمور، بل حتى الأطفال- فضلًا عن العقلاء والكبار- كانوا يعلمون صحيحها من سقيمها كما ذكر ذلك ابن أبي الحديد [٣]. وبناءً على هذا فإنّه يخطئ كل من يتصور بأنّ العبارات المذكورة دليلًا على أنّ عثمان بمنزلة الإمام علي عليه السلام في العلم والمعرفة. فعلي عليه السلام كما قال النبي الأكرم صلى الله عليه و آله باب علم مدينة النبي صلى الله عليه و آله وعلي عليه السلام حسب الروايات الإسلامية من عنده علم الكتاب وهو الملاذ العلمي للأمة في حل جميع مشاكلها حتى صرح بعض الخلفاء
«اللَّهُمَّ لَاتَبْقِني لِمُعْضَلَةٍ لَيْسَ لَهَا ابْنُ
[١]. تاريخ الطبري، ج ٣، ص ٤٠٠ و ٤٠١، في بيان حوادث سنة ٣٥
[٢]. «استسفروني» من مادة (سفارة) والسفير، يقال لشخص يقوم بالوساطة بين شخصين أو بلدين
[٣]. شرح نهج البلاغة لابن أبيالحديد، ج ٩، ص ٢٦٣