نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٦٧ - الشرح والتفسير زهد الأنبياء
القسم الرابع
وَإِنْ شِئْتَ ثَنَّيْتُ بِمُوسَى كَلِيمِ اللَّهِ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- حَيْثُ يَقُولُ:
«رَبِّ إِنِّى لِمَا أَنزَلْتَ إِلَىَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ». وَاللَّهِ، مَا سَأَلَهُ إِلَّا خُبْزاً يَأْكُلُهُ، لِأَنَّهُ كَانَ يَأْكُلُ بَقْلَةَ الْأَرْضِ، وَلَقَدْ كَانَتْ خُضْرَةُ الْبَقْلِ تُرَى مِنْ شَفِيفِ صِفَاقِ بَطْنِهِ، لِهُزَالِهِ وَتَشَذُّبِ لَحْمِهِ.
وَإِنْ شِئْتَ ثَلَّثْتُ بِدَاوُودَ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- صَاحِبِ الْمَزَامِيرِ، وَقَارِىءِ أَهْلِ الْجَنَّةِ، فَلَقَدْ كَانَ يَعْمَلُ سَفَائِفَ الْخُوصِ بِيَدِهِ، وَيَقُولُ لِجُلَسَائِهِ: أَيُّكُمْ يَكْفِينِي بَيْعَهَا! وَيَأْكُلُ قُرْصَ الشَّعِيرِ مِنْ ثَمَنِهَا.
وَإِنْ شِئْتَ قُلْتُ فِي عِيسَى بْنِ مَرْيَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، فَلَقَدْ كَانَ يَتَوَسَّدُ الْحَجَرَ، وَيَلْبَسُ الْخَشِنَ، وَيَأْكُلُ الْجَشِبَ، وَكَانَ إِدَامُهُ الْجُوعَ، وَسِرَاجُهُ بِاللَّيْلِ الْقَمَرَ، وَظِلَالُهُ فِي الشِّتَاءِ مَشَارِقُ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا، وَفَاكِهَتُهُ وَرَيْحَانُهُ مَا تُنْبِتُ الْأَرْضُ لِلْبَهَائِمِ؛ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ زَوْجَةٌ تَفْتِنُهُ، وَلَا وَلَدٌ يَحْزُنُهُ، وَلَا مَالٌ يَلْفِتُهُ، وَلَا طَمَعٌ يُذِلُّهُ، دَابَّتُهُ رِجْلَاهُ، وَخَادِمُهُ يَدَاهُ!
الشرح والتفسير: زهد الأنبياء
أشار الإمام عليه السلام في البحث السابق إلى جانب من حياة النبي صلى الله عليه و آله كأسوة بالمؤمنين في الزهد، ثم تطرق هنا إلى هذا الجانب في حياة ثلاثة من سائر الأنبياء ليتضح من خلال ذلك أنّ هذا الأمر كان محوراً في حياة الأنبياء فكانوا أُسوة لأُممهم، فقال:
«وَإِنْ شِئْتَ ثَنَّيْتُ بِمُوسَى كَلِيمِ اللَّهِ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- حَيْثُ