نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٦٨ - الشرح والتفسير زهد الأنبياء
يَقُولُ:
«رَبِّ إِنِّى لِمَا أَنزَلْتَ إِلَىَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ»». ثم خاض عليه السلام في تفسير العبارة المذكورة وهي آية من آيات سورة القصص على لسان موسى عليه السلام حين وروده إلى مدين فقال:
«وَاللَّهِ، مَا سَأَلَهُ إِلَّا خُبْزاً يَأْكُلُهُ، لِأَنَّهُ كَانَ يَأْكُلُ بَقْلَةَ الْأَرْضِ، وَلَقَدْ كَانَتْ خُضْرَةُ الْبَقْلِ تُرَى مِنْ شَفِيفِ [١] صِفَاقِ [٢] بَطْنِهِ، لِهُزَالِهِ [٣] وَتَشَذُّبِ [٤] لَحْمِهِ»
. فرَّ موسى عليه السلام إلى الشام ثم مدين إثر دفاعه عن أحد أفراد بني اسرائيل وقتله لأحد اتباع فرعون ومطاردته من قبل الأجهزة الفرعونية والبحث عنه في مصر، ولم يكن يحمل في سفره متاعه وحيث لم يكن يستجدي أحداً من الناس فقد اضطر لأكل نبات الأرض فهزل بدن موسى عليه السلام وضعف خلال هذه المدّة بفعل المسافة الطويلة التي قطعها ماشياً من بلد إلى بلد آخر وقد بلغ الضعف مداه بحيث كانت تبدو خضرة البقول من بطنه. وقد سأل اللَّه سبحانه طعاماً يسد رمقه ويزيل جوعه، بينما كان باستطاعته سؤال اللَّه عيشة هانئة وسفراً مريحاً. صحيح أنّ موسى عليه السلام كان يمر بظروف عصيبة اضطرته إلى تلك الأزمة العنيفة، إلّاأنّ المهم أنّه لم يسأل اللَّه سوى مقدار الضرورة، وهذا دليل واضح على الزهد الذي كان محور حياته.
ثم عرج على زهد داود عليه السلام فقال:
«وَإِنْ شِئْتَ ثَلَّثْتُ بِدَاوُودَ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- صَاحِبِ الْمَزَامِيرِ، وَقَارِىءِ أَهْلِ الْجَنَّةِ، فَلَقَدْ كَانَ يَعْمَلُ سَفَائِفَ [٥] الْخُوصِ [٦]
بِيَدِهِ، وَيَقُولُ لِجُلَسَائِهِ: أَيُّكُمْ يَكْفِينِي بَيْعَهَا! وَيَأْكُلُ قُرْصَ الشَّعِيرِ مِنْ ثَمَنِهَا»
. نعلم أنّ داود عليه السلام وإلى جانب النبوّة كان من ملوك بني اسرائيل وكانت حكومته قوية شاملة على ضوء الآية الشريفة: «شَدَدْنَا مُلْكَهُ وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ» [٧]. فهل ما
[١]. «شفيف» من مادة (شفوف) رقة الشيء، بحيث يستشف ما وراءه
[٢]. «صفاق» الجلد الباطن الذي فوقه جلد البطن الظاهر
[٣]. «هزال» ضعف
[٤]. «تشذب» بمعنى تفرق، واريد بها هنا، تفرق لحم البدن
[٥]. «سفائف» جمع سفيفة، ما ينسج من سعف النخيل
[٦]. «خوص» سعف النخيل
[٧]. سورة ص، الآية ٢٠