نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٥٤ - الشرح والتفسير عجز العقول امام عظمة اللَّه
ثم خاض الإمام عليه السلام في عالم الخلقة وعظمته لإثبات تلك الصفات الجمالية والجلالية من خلال عبارات عميقة ورصينة تفيد أنّ العالم الذي نراه وندركه رغم عظمته لا يشكل بالنسبة لما لا نراه وندركه سوى قطرة إلى بحر فقال:
«وَمَا الَّذِي نَرَى مِنْ خَلْقِكَ، وَنَعْجَبُ لَهُ مِنْ قُدْرَتِكَ، وَنَصِفُهُ مِنْ عَظِيمِ سُلْطَانِكَ، وَمَا تَغَيَّبَ عَنَّا مِنْهُ، وَقَصُرَتْ أَبْصَارُنَا عَنْهُ، وَانْتَهَتْ عُقُولُنَا دُونَهُ، وَحَالَتْ سُتُورُ الْغُيُوبِ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ أَعْظَمُ»
. نعم، ما نراه اليوم رغم اتساع العلوم والمعارف بشكل مذهل بشأن عالم الخلقة- لغيض من فيض ما لا نراه وندركه. والعلماء المعاصرون يتحدثون اليوم عن عوالم لا تكون كرتنا الأرضية بالنسبة لها سوى نقطة في كتاب ضخم!! كما يتكلّمون عن كرات عظيمة في هذا الكون تفوق كرتنا الأرضية بثلاثين ملياراً! وأجرام سماوية عملاقة تفوق الشمس بثلاثة مليارات مرّة (وهي الأجرام التي تجذب كل شيء من حولها حتى النور الذي ينعكس حين اصطدامه ببعض الأجسام)، ومن هنا لا نراها سوى قطع سوداء متناثرة هنا وهنالك في السماء، وتضم كرتنا الأرضية رغم صغرها ملايين النباتات والحيوانات التي تغوص في أعماق البحار والغابات والتي لم يتعرف عليها العلماء لحد الآن ولا يمكن رؤيتها بالعيون المجردة. أجل، فعالم الملك والملكوت على قدر من السعة بما تعجز العقول عن إدراكه وتحير الأفكار في عظمته فضلًا عن عظمة اللَّه في خلقه، وهذا بدوره أعظم درسٍ في التوحيد ومعرفة اللَّه.
ورد في الرواية عن الإمام السجاد علي بن الحسين عليه السلام أنّه قال:
«لَوِ اجْتَمَعَ أَهْلُ السَّماءِ والأَرْضَ أَنْ يَصِفُوا اللَّهَ بِعَظَمَتِهِ لَمْ يَقْدِرُوا» [١].
ثم قال عليه السلام مواصلًا خطبته:
«فَمَنْ فَرَّغَ قَلْبَهُ، وَأَعْمَلَ فِكْرَهُ، لِيَعْلَمَ كَيْفَ أَقَمْتَ عَرْشَكَ، وَكَيْفَ ذَرَأْتَ [٢] خَلْقَكَ، وَكَيْفَ عَلَّقْتَ فِي الْهَوَاءِ سَمَاوَاتِكَ، وَكَيْفَ مَدَدْتَ
[١]. اصول الكافي، ج ١، ص ١٠٢
[٢]. «ذرأت» من مادة (ذرء) على وزن زرع، الخلق والايجاد