نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٥٥ - الشرح والتفسير عجز العقول امام عظمة اللَّه
عَلَى مَوْرِ [١] الْمَاءِ أَرْضَكَ، رَجَعَ طَرْفُهُ [٢] حَسِيراً [٣]، وَعَقْلُهُ مَبْهُوراً [٤]، وَسَمْعُهُ وَالِهَاً،
وَفِكْرُهُ حَائِراً»
. فقد ركز الإمام عليه السلام بهذه العبارات اللطيفة العميقة المعنى على أربعة أمور بشأن عظمة الخلق؛ إقامة العرش، وبداية الخلق، وتعليق الكرات في السماء، وظهور الأرض من تحت الماء، وكل واحدة أعجب من الاخرى، ثم أشار عقبها إلى أثار هذه الحيرة من قبيل تعب العين وعجزها، وبهت العقول، ووله السمع، وحيرة الفكر. أمّا بشأن تفسير العرش فهنالك كلام كثير، والمستفاد من آية الكرسي أنّ العرش عالم فوق السماء والأرض، حيث ورد في القرآن بشأنه: «وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماوَاتِ وَالْأَرْضَ». جدير ذكره أنّ الملوك القدماء كان لهم عرشان؛ عرش صغير يطلق عليه الكرسي يستعملونه في الأيّام الاعتيادية، وآخر مرتفع يسمى العرش يعتلونه في الأعياد والمناسبات الرسمية، ثم أصبح هذان التعبير أنّ كناية عن مختلف درجات العظمة، والقرآن يعد السماوات والأرض التي نراها كرسي اللَّه، وعليه فعرشه أرفع من ذلك. ومن هنا ربّما يكون العرش إشارة إلى عالم ماوراء الطبيعة، أي عالم الملائكة والكروبيين [٥] أوعالم المادة الذي ليس لدينا من سبيل إليه.
والعبارة
«وَكَيْفَ مَدَدْتَ عَلَى مَوْرِ الْمَاءِ أَرْضَكَ»
يمكن أن يكون إشارة إلى دحو الأرض وظهور اليابسة من المياه؛ لأنّ المياه عمت بادىء الأمر الكرة الأرضية برمتها، ثم تخللت فجوات الأرض وشقوقها بالتدريج حتى ظهرت اليابسة. أجل لا يمتلك الإنسان سوى الحيرة والذهول أن فكر بشأن عالم الخليقة وما ينطوى عليه
[١]. «مور» على وزن قول، لها معان مختلفة في اللغة، منها التيار السريع أو أمواج الماء
[٢]. «طرف» على وزن حرف، أهداب العين
[٣]. «حسير» من مادة (حسر) على وزن قصر، التعب والضعف
[٤]. «مبهور» من مادة (بهر) على وزن قهر، الغلبة والحيرة
[٥]. أشرنا إلى هذا المطلب في شرح آية الكرسي في التفسير الأمثل