نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٥٣ - الشرح والتفسير عجز العقول امام عظمة اللَّه
فهذا الحمد جامع شامل يتجاوز الزمان والمكان والعدد والقصور والحجاب.
أضف إلى ذلك فهو حمد على العافية والبلاء والأخذ والعطاء فهو حمد على كل شيء وفي كل زمان ومكان وعلى كل حال. ثم خاض عليه السلام في صفات الجلال والجمال ليورد أوصافاً بليغة أعرب فيها عن العجز عن إدراك عظمة اللَّه، فقال:
«فَلَسْنَا نَعْلَمُ كُنْهَ عَظَمَتِكَ»
ذلك لأنّ اللَّه وجود مطلق ولا متناهٍ من جميع الجهات، وهل من نصيب للإنسان المحدود مهما كان هذا الإنسان سوى العجز عن إدراك غير المحدود. إلّاأنّ الإمام عليه السلام وبغية دفع التصور الخاطئ من أنّ هذا الكلام ربّما يعني عدم إمكان معرفة اللَّه وتعطيل صفاته تطرق مباشرة إلى المعرفة الإجمالية من خلال بيان ثمان صفات من صفاته الثيوتية والسلبية على أننا وإن عجزنا عن إدراك كنه ذاتك المقدّسة
«إِلَّا أَنَّا نَعْلَمُ أَنَّكَ
«حَيٌّ قَيُّومٌ، لَاتَأْخُذُكَ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ»».
ثم واصل عليه السلام كلامه قائلا:
«لَمْ يَنْتَهِ إِلَيْكَ نَظَرٌ، وَلَمْ يُدْرِكْكَ بَصَرٌ. أَدْرَكْتَ الْأَبْصَارَ، وَأَحْصَيْتَ الْأَعْمَالَ، وَأَخَذْتَ
«بِالنَّوَاصِي وَالْأَقْدَامِ»». طبعاً وصف اللَّه بالحياة ليس المراد منه الحياة الواقعية بمعنى العلم المطلق والقدرة التامة على جميع الوجود. والقيوم القائم بذاته والذي يقوم به غيره، لأنّه واجب الوجود، وواجب الوجود غني عن الغير ولكل محتاج إليه. والعبارة
«لَا تَأْخُذُكَ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ»
إشارة إلى أنّ علمه ولطفه دائم على العباد، لا أنّه يلتفت أحياناً ويحف عباده بالعناية وأخرى ينام فينساهم. والعبارة
«لَمْ يَنْتَهِ إِلَيْكَ نَظَرٌ ...»
إشارة إلى أنّ علم الإنسان لا يسعه الاحاطة بذاته المقدّسة- لأنّ ذاته مطلقة- كما لا يسع البصر الظاهر رؤيته، لأنّه ليس بجسم وليس له جهة ولا لون، بينما يدرك سبحانه حركات العيون ويحاسب على أدنى الأعمال. والمراد من
«بِالنَّوَاصِي وَالْأَقْدَامِ»
- بالنظر إلى أنّ النواصي جمع ناصية بمعنى شعر مقدمة الرأس والأقدام جمع قدم- قدرة اللَّه وغلبته لكل شيء، ذلك أنّ الإنسان متى أخذ منه ناصيته أو قيدت رجلاه سلب القدرة تماماً.