نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٦٩ - الشرح والتفسير زهد الأنبياء
قيل يتعلق بعهد حكومته أم بعدها؟ كيف ما كان الأمر فهنالك دليل دامغ على زهده ولاسيّما ما ورد في بعض الروايات أنّه لم يكن يقتات من بيت المال، بل كان يعمل الدروع ويأكل من عرق جبينه. العبارة
«صَاحِبِ الْمَزَامِيرِ، وَقَارِىءِ أَهْلِ الْجَنَّةِ»
إشارة إلى مقاماته المعنوية الرفيعة في الدنيا والآخرة. وقد أفاض اللَّه عليه من العلوم المعنوية بحيث كان ينشئ المزامير (المزامير كما سيأتي بمبحث التأملات مجموعة من الأدعية والمناجاة والمواعظ والإرشادات التي كان يتلوها داود عليه السلام ويترنم بها بصوت عذب فكان يشد إليه الناس، بل حتى الطيور والحيوانات حسب الرواية).
وقارىء (أهل الجنّة) إشارة إلى مقامه الاخروي حيث يتذوق أولياء اللَّه هناك لذّة القرب الإلهي وعشق ذاته المقدّسة من ترانيمه المعنوية لذلك الصوت العذب ومناجاته الروحية.
والعبارة
«أَيُّكُمْ يَكْفِينِي بَيْعَهَا»
ربّما تكون إشارة إلى هذه النقطة وهي أنّه أراد شخصاً يبيعها ويستفيد مقداراً من ثمنها، وإن كان هذا الأمر على عهد قضائه فهو إشارة إلى أنّ القضاء لا يتعامل في مثل هذه الأمور مباشرة مع الآخرين حذراً من معرفته واعطائه الكثير بغية استمالته في إصدار الأحكام.
ثم تطرق عليه السلام إلى زهد عيسى عليه السلام حيث أوجز حياته المتواضعة في ثلاث عشرة عبارة قصيرة، يصعب علينا حقّاً تصور تلك الحياة العجيبة لهذا النبي الزاهد فضلًا عن العمل بها فقال:
«وَإِنْ شِئْتَ قُلْتُ فِي عِيسَى بْنِ مَرْيَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، فَلَقَدْ كَانَ يَتَوَسَّدُ [١] الْحَجَرَ، وَيَلْبَسُ الْخَشِنَ، وَيَأْكُلُ الْجَشِبَ، وَكَانَ إِدَامُهُ الْجُوعَ، وَسِرَاجُهُ
بِاللَّيْلِ الْقَمَرَ، وَظِلَالُهُ فِي الشِّتَاءِ مَشَارِقُ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا، وَفَاكِهَتُهُ وَرَيْحَانُهُ مَا تُنْبِتُ الْأَرْضُ لِلْبَهَائِمِ؛ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ زَوْجَةٌ تَفْتِنُهُ، وَلَا وَلَدٌ يَحْزُنُهُ، وَلَا مَالٌ يَلْفِتُهُ، وَلَا طَمَعٌ يُذِلُّهُ، دَابَّتُهُ رِجْلَاهُ، وَخَادِمُهُ يَدَاهُ!»
. المراد من العبارة
«وَكَانَ إِدَامُهُ الْجُوعَ»
أنّه
[١]. «يتوسد» من مادة (وسد) جعل الشيء كالوسادة تحت الرأس