نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٠٤ - الشرح والتفسير المسؤولية الشاملة
المجتمع. العبارات القادمة أيضاً تشير إلى أنّ ما ورد في هذه العبارة يتعلق بالموت ونهاية الحياة، لا إصلاح المجتمع البشري والذي يعتبره مقولة أخرى. نعم؛ هنالك دليلان على حقانيةالموت- على أنّه قانون عام- أحدهما: إننا نرى بأُم أعيننا الأفراد الذين كانوا سابقاً بيننا وقد التحقوا بهذه القافلة ونحمل أجسادهم الخالية من الروح على أكتافنا ونواريهم الثرى ونعود، فهل من فارق بيننا وبينهم أنّهم يمضون ونبقى؟!
والآخر: إنّ علامات الحركة باتجاه نهاية حياتنا الواحد بعد الآخر واضحة من قبيل الشيخوخة والعجز والمشيب وكسل الاعضاء. فهل يسع عاقل بعد هذين الدليلين أن يشعر باستثناء من هذا القانون؟
ثم خاض الإمام عليه السلام في هذه النتيجة بناءً على ما ورد في السابق وطالما كان الأمر كذلك قال:
«تَخَفَّفُوا تَلْحَقُوا، فَإِنَّمَا يُنْتَظَرُ بِأَوَّلِكُمْ آخِرُكُمْ»
. أجل، إنّ سفر الآخرة سفر شاق ومتعب ولا يجتاز مطباته سوى المخفين، أولئك الذين قنعوا بالكفاف في الحياة الدنيا وغضوا الطرف عن جمع الثروة والعيش الرغيد الملئ بالكماليات، على غرار المسافر الذي يحمل معه ما يكفيه من الطعام للسفر فيمر بسهولة، بينما لا يسع المثقل إلّاالتخلف عن الركب والقافلة. روى المرحوم السيد الرضي، العبارة الأخيرة باختلاف طفيف في الخطبة ٢١ وقال: إنّ العبارة
«تَخَفَّفُوا تَلْحَقُوا»
ما سمع كلام أقل منه مسموعاً ولا أكثر منه محصولًا، وما أبعد غورها من كلمة. وقد قدمنا من جانبنا شرحاً وافياً بهذا الشأن [١]. وحيث يتطلب سفر الآخرة زاداً ومتاعاً وخيره التقوى على لسان القرآن: «وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى» [٢].
فقد واصل الإمام عليه السلام كلامه داعياً الجميع إلى التقوى فقال:
«اتَّقُوا اللَّهَ فِي عِبَادِهِ وَبِلَادِهِ، فَإِنَّكُمْ مَسْؤُولُونَ حَتَّى عَنِ الْبِقَاعِ [٣] وَالْبَهائِمِ [٤]».
[١]. نفحات الولاية، ج ٢، ص ٥
[٢]. سورة البقرة، الآية ١٩٧
[٣]. «بقاع» جمع (بقعة) بمعنى مساحة من الأرض متميزة عنها، ووردت في العبارة بمعنى مطلق الأرض العامرة
[٤]. «بهائم» جمع (بهيمة) بمعنى الحيوانات، ويشتمل السباع والطيور