نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٩٦ - الشرح والتفسير الاعتبار بالامم السابقة
ربّما أمكن عودة الطاعة والتقوى إلى مفهوم واحد، كما يمكن اعتبار التقوى أساس الطاعة، ذلك لأنّ طاعة اللَّه إنّما تنبعث من التقوى والورع، كما يحتمل أن تكون التقوى إشارة إلى ترك الذنب، والطاعة إلى امتثال الأحكام الشرعية، فهما لا يفترقان كيفما كان الأمر (ولعل ذلك هو سبب الإتيان بالضمير مفرداً في أنّها والحال، ينبغي أن يكون مرجع الضمير مثنى). واطلاق النجاة على التقوى من قبيل اطلاق المسبب على السبب، لأنّ التقوى سبب النجاة في الآخرة.
ثم قال:
«رَهَّبَ [١] فَأَبْلَغَ، وَرَغَّبَ فَأَسْبَغَ [٢]»
. إننا لنعلم أنّ الضمان الفعلي لجميع الأحكام الشرعية هو البشارة والإنذار. وقد شحنت الكتب السماوية بالوعد والوعيد والإنذار والبشارة ترغيباً للناس في الطاعة وحياشة لهم عن المعصية. ولما كان التعلق بالدنيا والخداع بمظاهرها رأس المعاصي والذنوب فإنّ الإمام عليه السلام عاد ليؤكد هذا الأمر فقال:
«وَوَصَفَ لَكُمُ الدُّنْيَا وَانْقِطَاعَهَا، وَزَوَالَهَا وَانْتِقَالَهَا. فَأَعْرِضُوا عَمَّا يُعْجِبُكُمْ فِيهَا لِقِلَّةِ مَا يَصْحَبُكُمْ مِنْهَا»
. فالذي يستفاد من هذه العبارة القصيرة والعميقة المعاني أنّ اللَّه بيّن أربعة أمور بشأن الدنيا؛ الأول أصل الحياة الدنيا وكما يبدو من أسمها حياة دنيئة وتافهة لا قيمة لها، والثاني، أنّها ليست مستقرة وذات يوم يحل الموت بالإنسان ويقضي على دنياه، والثالث، ما أن ينغمس الإنسان في متع الحياة الدنيا حتى يشعر بزوالها التدريجي، حيث تأخذ قواه البدنية بالضعف وتختل صحته ويثكل بفقد الأعزة والأصدقاء، الواحد تلو الآخر، وينظر إليهم وهم يتوسدون التراب، والرابع، أنّ الدنيا دائمة الانتقال من قوم إلى قوم: «اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِى الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرّاً ثُمَّ يَكُونُ حُطَاماً وَفِى الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ» [٣].
[١]. «رهب» من مادة (ترهيب) بمعنى التخويف.
[٢]. «أسبغ» من مادة (اسباغ) بمعنى الإتيان بالعمل بصورة تامة، و اطلقت على النعمة التامة و الوضوء التام.
[٣]. سورة الحديد، الآية ٢٠