نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٦٤ - الشرح والتفسير التأسي بالنبي صلى الله عليه و آله
أَكْنَافُهَا، وَفُطِمَ [١] عَنْ رَضَاعِهَا، وَزُوِيَ [٢] عَنْ زَخَارِفِهَا [٣]».
فقد عاش رسول اللَّه صلى الله عليه و آله حين كان القياصرة والأكاسرة يرتعون في الجزيرة العربية، وقد واصل تلك الحياة البسيطة المتواضعة حتى حين تزعم الدولة الإسلامية وحاز على الغنائم العظيمة، وكان يفخر صلى الله عليه و آله بتلك المعيشة فيقول:
«الفَقْرُ فَخْرِي» [٤]
فالعبارة لا تعني أنّه لم يكن بوسع النبي الأكرم صلى الله عليه و آله الحصول على تلك الحياة وأسلوب العيش، بل لم يكن شخصياً يرغب في مثل تلك المعيشة، ومن هنا ورد في الرواية أنّه هبط عليه أحد الملائكة وبيده مفتاح خزائن الدنيا فقال:
«يا مُحَمَّدُ هَذِهِ مَفاتِيحُ خَزَائِنُ الأرَضِ يَقُولُ لَكَ رَبُّكَ إِفْتَحْ وَخُذْ مِنها ما شِئْتَ مِنْ غَيْرِ أَنْ تَنْقُصُ شَيئاً عِنْدِي»
، فقال رسول اللَّه صلى الله عليه و آله
: الدُّنيا دَارُ مَنْ لادَارَ لَهُ وَلَها يَجْمَعُ مَنْ لاعَقْلَ لَهُ.
فقال الملك:
أُقْسِمِ بِاللَّهِ الَّذِي بَعَثَكَ نَبِيَّاً بِالحَقِّ، إِنِّي سَمِعْتُ هَذا الكَلامَ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّماءِ الرَّابِعةِ حِينَ تَسَلَّمْتُ هَذِهِ المَفاتِيحُ» [٥].
والعبارة
«إِذْ قُبِضَتْ عَنْهُ أَطْرَافُهَا»
إشارة أنّ حكومة النبي الأكرم صلى الله عليه و آله وسلطته لم تكن كحكومة القياصرة والأكاسرة، والعبارة
«وَفُطِمَ عَنْ رَضَاعِهَا»
إشارة إلى عدم تناوله الأطعمة اللذيذة المتنوعة، والعبارة
«وَزُوِيَ عَنْ زَخَارِفِهَا»
أنّه لم يستفد من القصور الفارهة والمراكب الهنيئة والثياب الفاخرة. على كل حال فقد استعان الإمام عليه السلام بأعظم أُسوة وركز على حياة النبي الأكرم صلى الله عليه و آله إزاء أولئك الذين إنقادوا للدنيا وقصروا همتهم عليها. النبي الذي كان يجلس على التراب ويعيش كأضعف الأفراد ولم يكن لديه أحياناً سوى ثوب واحد وقد اعترض على ابنته فاطمة
[١]. «فطم» من مادة (فطام) منع الطفل من اللبن
[٢]. «زوي» من مادة (زي) على وزن حي، الجمع والابعاد
[٣]. «زخارف» جمع زخرف، على وزن هرمز، تعني في الأصل كل زينة مكتوبة، واطلاق الزخرف على الكلام الفارغ لما ينطوي على تزويق وتجميل
[٤]. مستدرك الوسائل، ج ١، ص ١٧٣
[٥]. اصول الكافي، ج ٢، ص ١٢٩