نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٩١ - الشرح والتفسير صفات النبي صلى الله عليه و آله
وتشير الشجرة إلى أصل هذه الأُسرة التي تنتمي إلى إبراهيم عليه السلام، والأغصان المعتدلة إشارة إلى فروعه كعبدالمطلب وأبيطالب وحمزة وجعفر وأميرالمؤمنين عليه السلام وأئمّة الهدى عليهم السلام وهم بمثابة الفروع المتداخلة للشجرة في فضلهم وعلمهم وكمالهم وعدم اختلافهم ومعارفهم التي يتغذى على ثمارها جميع الناس على مرّ العصور والدهور.
ثم اتّجه الإمام عليه السلام صوب سيرته العملية فقال:
«أَرْسَلَهُ بِحُجَّةٍ كَافِيَةٍ، وَمَوْعِظَةٍ شَافِيَةٍ، وَدَعْوَةٍ مُتَلَافِيَةٍ [١]»
. نعم، فقد كانت له مختلف الأدلة العقلية والفطرية والمعاجز الحسية، فيعالج أمراض الناس والمجتمعات بكلماته الحكيمة ويصلح الخراب الذي لحق بالناس إبان الجاهلية في كافة مجالاتهم الاجتماعية. فقد اقترنت دعوة النبي الأكرم صلى الله عليه و آله بالدليل والبرهان من حيث جذورها وانطلاقتها، كما تضمّنت على مستوى المضمون الخطط العملية الهادية، وكل ذلك يقود إلى نتيجة مرجوة تتمثل في إصلاح الفساد وإعادة بنية الأصول الفكرية والأخلاقية والاجتماعية.
ثم خاض عليه السلام في الأعمال المهمّة التي أتى بها رسول اللَّه صلى الله عليه و آله فقال:
«أَظْهَرَ بِهِ الشَّرَائِعَ الْمَجْهُولَةَ، وَقَمَعَ بِهِ الْبِدَعَ الْمَدْخُولَةَ [٢]، وَبَيَّنَ بِهِ الْأَحْكَامَ الْمَفْصُولَةَ [٣]»
. فالواقع هو أنّ النبي الأكرم صلى الله عليه و آله مارس ثلاثة أعمال مهمّة: أعلن العقائد الحقّة، وأزال البدع والخرافات، وبيّن الأحكام الشرعية بوضوح لجميع الناس، حصل كل منها بسعي متواصل وجهد عظيم. ثم خلص إلى هذه النتيجة التي صرّح بها القرآن الكريم: « «فَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِيناً»
تَتَحَقَّقْ شِقْوَتُهُ، وَتَنْفَصِمْ عُرْوَتُهُ، وَتَعْظُمْ كَبْوَتُهُ، وَيَكُنْ مَآبُهُ إِلَى الْحُزْنِ الطَّوِيلِ وَالْعَذَابِ الْوَبِيلِ»
. فمن الطبيعي أن لا تكون
[١]. «متلافي» من مادة (تلافي) بمعنى تدارك، وتأتي بمعنى معالجة الفساد، وهذا هو المعنى المراد بها في هذهالعبارة
[٢]. «مدخولة» من مادة (دخول) إشارة هنا إلى البدع التي كانت تنسبها الجاهلية إلى اللَّه. أو من مادة دخل، علىوزن دغل، بمعنى الفساد، لأنّ هذه البدع مصدر فساد الفرد والمجتمع
[٣]. «المفصولة» من مادة (فصل) واطلقت على الكلام والقضاء الذي يميز الحق من الباطل ويمكن أن يكون المراد بها المعنيان معاً؛ الأول إنّ أحكام الشريعة بيّنت بصورة منفصلة والآخر، فصل الحق عن الباطل، (تكون الجملة في الأول اسم المفعول وفي الثاني اسم الفاعل)