نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢١٨ - الشرح والتفسير حادثة مهمّة
وغرائب، ذلك لأنّ هذه الصفات تدرك من قبل الجميع، حيث قال:
«الْحَمْدُللَّهِ خَالِقِ الْعِبَادِ، وَسَاطِحِ [١] الْمِهَادِ [٢]، وَمُسِيلِ الْوِهادِ [٣]، وَمُخْصِبِ [٤] النِّجَادِ [٥]»
. فقد أشار الإمام عليه السلام بادىء الأمر إلى خلق الناس بصفته، أروع خلق اللَّه، ثم أشار إلى ثلاثة محاور مهمة (موضع السكن والماء، مادة الحياة، والمواد الغذائية) ليثير لدى الآخرين الشعور بالإمتنان والشكر ويعدّهم للتعرف على صفات اللَّه الجمالية والجلالية.
(والعباد)
الواردة بقرينة العبارات القادمة تعود إلى الناس وأن تشمل أحياناً الملائكة والجن. وتشير
«وَسَاطِحِ الْمِهَادِ»
إلى ما ورد في الآية الشريفة: «أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَاداً» [٦]. والعبارة
«وَمُسِيلِ الْوِهادِ»
بالنظر إلى أنّ الوهاد تعني الوديان والمنخفضات إشارة إلى أنّ اللَّه تعالى جعل بعض مناطق الأرض منخفضة لتتخلها المياه دون غيرها. والعبارة
«وَمُخْصِبِ النِّجَادِ»
إشارة إلى قدرة اللَّه في إحياء الأراضي المرتفعة بالنباتات رغم عدم وصول المياه إليها.
ثم خاض الإمام عليه السلام في جانب مهم من صفاته تعالى الأزلية والأبدية وواجب الوجود فقال:
«لَيْسَ لِأَوَّلِيَّتِهِ ابْتِدَاءٌ، وَلَا لِأَزَلِيَّتِهِ انْقِضَاءٌ. هُوَ الْأَوَّلُ وَلَمْ يَزَلْ، وَالْبَاقِي بِلَا أَجَلٍ»
. أثبتت الأدلة العقلية أنّ اللَّه واجب الوجود ليس له بداية ولا نهاية، كان دائماً ولا يزال، فوجوده عين ذاته وذاته مطلقة، وعليه فالعبارة
«هُوَ الْأَوَّلُ ...
وَالْبَاقِي ...»
نتيجة للعبارة
« «لَيْسَ لِأَوَّلِيَّتِهِ ... وَلَا لِأَزَلِيَّتِهِ ...»
لأنّه حين لا تكون لأزليته وأبديته بداية ولا نهاية، فهو الأول والآخر، وهاتان الصفتان في الواقع أساس أغلب صفات اللَّه، وصفاته الجمالية والجلالية إنّما تعود إلى هاتين الصفتين.
[١]. «ساطح» من مادة (سطح) بمعنى معروف، ويقال ساطح، لمن يجعل الشيء مسطحاً
[٢]. «مهاد» و «مهد» بمعنى الفراش، وتطلق على الأرض موضع السكن والاستراحة، وهذا هو المعنى المراد
[٣]. «وهاد» جمع وهدة، بمعنى الأراضي المنخفضة
[٤]. «مخصب» من مادة (خصب) على وزن غضب، بمعنى كثرة النبات، وعليه فالمخصب تطلق على الشخص الذي يملأ الأرض نباتاً وبركة
[٥]. «نجاد» جمع نجد، وهو ما ارتفع من الأرض، ومصدرها نجود
[٦]. سورة النبأ، الآية ٦