نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٦ - الشرح والتفسير شمة من صفات اللَّه الجمالية والجلالية
الخلقة إلى جانب الأسرار والنظم التي تكتنف خلق الأرض والسماء والإنسان والحيوان لا نملك سوى التسليم بأنّ هنالك إرادة حكيمة وقادرة عالمة وراء كل تلك الآثار البديعة التي لا يسعها أن تكون وليدة هذه الطبيعة الصماء، وهذا هو برهان النظم الذي أشار إليه القرآن الكريم والروايات الإسلامية بفضله أدل دليل على معرفة اللَّه.
ثم قال في بيان الصفة الثانية:
«وَبِمُحْدَثِ خَلْقِهِ عَلَى أَزَلِيَّتِهِ»
والعبارة في الواقع إشارة إلى برهان الوجوب والإمكان؛ ذلك أنّ سلسلة المخلوقات التي ارتدت لباس الوجود خلف بعضها البعض لا يمكنها الاستمرار إلى مالانهاية فكل حادث مخلوق، لأنّ عدم تناهي المعلول يحتاج بالتالي إلى علّة أزلية وغنية عن الخلق والتي يصطلح عليها بواجب الوجود.
وقال في الصفة الثالثة:
«وَبِاشْتِبَاهِهِمْ عَلَى أَنْ لَاشَبَهَ لَهُ»
والسؤال الذي يطرح نفسه: كيف يكون تشابه المخلوقات دليلًا على عدم الشبيه للَّه؟ الجواب: أنّ هذا الشبه دليل على تركب هذه المخلوقات، لأنّ لها قدراً مشتركاً من قبيل الزمان والمكان وبعض الإشكال والعوارض الظاهرية، كما هنالك بعض الجهات المختلفة التي تميزها عن بعضها. وبناءً على هذا فإنّ كل مخلوق مركب ممّا به الاشتراك وما به الامتياز (الجهات المشتركة والجهات المختلفة) ومن الطبيعي أن تكون هذه المخلوقات المركبة محتاجة (محتاجة إلى أجزائها ومن يركبها) ومن هنا نفهم أن لا شبيه للَّهوإلّا للزم التركيب والحاجة على ذاته المقدّسة.
وقال في الصفة الرابعة والخامسة:
«لَا تَسْتَلِمُهُ [١] الْمَشَاعِرُ، وَلَا تَحْجُبُهُ السَّوَاتِرُ،
لِافْتِرَاقِ الصَّانِعِ وَالْمَصْنُوعِ، وَالْحَادِّ وَالْمَحْدُودِ، وَالرَّبِّ وَالْمَرْبُوبِ»
والدليل واضح على تعذر بلوغ مشاعر الإنسان بما فيها الحواس الظاهرية والباطنية والعقل كنه ذاته المقدّسة؛ فهو وجود غير محدود ولامتناهٍ من جميع الجهات، والعقل البشري
[١]. «تستلمه» من مادة (الاستلام) بمعنى الاتصال بالشيء