نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٧٠ - الشرح والتفسير الغفلة التامة
تولى عن اللَّه والتصق بالدنيا وهوى النفس، فقد شبّه الإمام عليه السلام مثل هؤلاء بالحيوانات التي حملها الراعي الجاهل أو المغرض إلى مرعى ليس فيه ماء ولا كلاء سوى المرض والموت. هذا الراعي، هو الشيطان وهذه الحيوانات، هم الناس الذين لا يصغون لنداء العقل وقد استغرقوا في هوى أنفسهم، وهذا المرعى المميت هو وادي اللذات والشهوات الذي يفرز الذنوب والمعاصي وبالتالي يقتل روح الإنسان ومعنويته.
ثم قال عليه السلام:
«وَإِنَّمَا هِيَ كَالْمَعْلُوفَةِ لِلْمُدَى [١] لَاتَعْرِفُ مَاذا يُرَادُ بِهَا! إِذَا أُحْسِنُ إِلَيْهَا
تَحْسَبُ يَوْمَهَا دَهْرَهَا، وَشِبَعَهَا أَمْرَهَا».
فقد شبّه الإمام عليه السلام بهذين التشبيهين أصحاب الدنيا، بالحيوانات التي لا همّ لها سوى شبعها وأنّ من يقدّم لها العلف يحسن إليها، ولا تعلم أنّ علفها وسقيها مقدمة لذبحها، وهذا حالهم حين ينغمسون في لذات الدنيا وشهواتها.
وأخيراً أشار إلى جانب من علمه بأسرار الغيب وحوادث المستقبل ليقفوا على جديته ومعرفته بما يصلحهم:
«وَاللَّهِ لَوْ شِئْتُ أَنْ أُخْبِرَ كُلَّ رَجُلٍ مِنْكُمْ بِمَخْرَجِهِ وَمَوْلِجِهِ [٢] وَجَمِيعِ شَأْنِهِ لَفَعَلْتُ، وَلكِنْ أَخَافُ أَنْ تَكْفُرُوا فِيَّ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ
عَلَيْهِ وَآلِهِ».
ورد في الحديث أنّ رسول اللَّه صلى الله عليه و آله كان جالساً فدخل عليه علي عليه السلام فقال:
«إِنَّ فِيكَ شَبَهاً مِنْ عِيسَى بْنَ مَرْيَمَ وَلَوْ لَاأَنْ تَقُولَ فِيكَ طَوَائِفٌ مِنْ أُمَّتِي ما قَالَتِ النَّصارى فِي عَيسَى بْنَ مَرْيَمَ لَقُلْتُ فِيكَ قَوْلًا لَاتَمُرُّ بِمَلَأٍ مِنَ النَّاسِ إِلَّا اخَذُوا التُّرَابَ مِنْ تَحْتِ قَدَمَيْكَ يَلْتَمِسُونَ بِذلِكَ الْبَرَكَةَ» [٣].
[١]. «مدي» جمع (مدية) على وزن لقمة، بمعنى السكّين
[٢]. «مولج» بمعنى الدخول إلى الشيء، من مادة (ولوج)، على وزن، ورود
[٣]. اصول الكافي، ج ٨، ص ٥٧