نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤١٠ - البدعة
تأمّل
البدعة
ركّز الإمام عليه السلام في المقطع المذكور من الخطبة على وقوفه بوجه البدع. والبدعة في اللغة تعني إيجاد الشيء دون تجربة أو مثال وهي ممدوحة حيناً ومذمومة حيناً آخر. فالقرآن يصف اللَّه بالقول: «بَدِيعُ السَّماوَاتِ وَالْأَرْضِ» [١]، كما يصف النبي الأكرم صلى الله عليه و آله: «قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعاً مِّنَ الرُّسُلِ» [٢] والمراد هو المفهوم المذكور. إلّاأنّ لهذه المفردة مفهوماً خاصاً في لسان الروايات وكلمات الفقهاء وهو تغيير الأحكام الشرعية وتبديلها بأحكام طبق الرغبات النفسية والمنافع الشخصية. ومن هنا ورد الذم الشديد للبدعة في الروايات، حيث قال رسول اللَّه صلى الله عليه و آله:
«اهْلُ الْبِدَعِ شَرُّ الْخَلْقِ وَالْخَلِيفَةِ» [٣].
وقال أميرالمؤمنين علي عليه السلام:
«امَّا أَهْلُ الْبِدْعَةِ فَالْمُخَالِفُونَ لِأَمْرِاللَّهِ وَلِكِتَابِهِ وَرَسُولِهِ الْعامِلُونَ بِرَأْيِهِمْ وَأَهْوَائِهِمْ وَإِنْ كَثُرُوا» [٤]
والروايات كثيرة بهذا الشأن والتي ذمّت بشدّة، البدعة والمبتدع. والسبب واضح، فكما ذكرنا سابقاً أنّ باب البدع لو فتح لما بقي من أحكام الدين وأصوله وفروعه شيءٌ ولمحق الدين. وعلى هذا الأساس قال رسول اللَّه صلى الله عليه و آله
: «مَنْ تَبَسَّمَ فِي وَجْهِ مُبْتَدِعٍ فَقَدْ أَعانَ عَلَى هَدْمِ دِينِهِ» [٥]
. ويتضح من هنا خطأ أولئك الذين خلطوا المعنى الواسع للبدعة بمعناها الخاص ليزعموا أنّ كل القضايا متجددة، فمن يسعه الوقوف بوجه التجدد؟ وأمّا أولئك فإنهم يرون تغيير الآراء الإجتهادية وكشف المسائل المستحدثة من الكتاب والسُنّة ضرباً من البدعة، فإمّا أنّهم يخدعون أنفسهم أو أنّهم يريدون خداع الآخرين. فكشف
[١]. سورة البقرة، الآية ١١٧
[٢]. سورة الأحقاف، الآية ٩
[٣]. ميزان الحكمة، ح ١٦٢٩
[٤]. المصدر السابق، ح ١٦٣٢
[٥]. المصدر السابق، ح ١٦٣٥