نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٠٩ - الشرح والتفسير أخطار البدع
قبلكم، فقد دعوتم إلى مطلب واضح قامت عليه الأدلة الحية والتجريبية والنقلية.
ثم خلص إلى هذه النتيجة:
«فَلَا يَصَمُّ عَنْ ذلِكَ إِلَّا أَصَمُّ، وَلَا يَعْمَى عَنْ ذلِكَ إِلَّا أَعْمَى. وَمَنْ لَمْ يَنْفَعْهُ اللَّهُ بِالْبَلَاءِ وَالتَّجَارِبِ لَمْ يَنْتَفِعْ بِشَيْءٍ مِنَ الْعِظَةِ، وَأَتَاهُ التَّقْصِيرُ مِنْ أَمَامِهِ [١]، حَتَّى يَعْرِفَ مَا أَنْكَرَ، وَيُنْكِرَ مَا عَرَفَ».
فالتجارب الحسية والبلاء الإلهي أهم وسيلة لإيقاظ الإنسان، فمن لم يتيقظ بهذا الاسلوب يستبعد أن ينتفع بالمواعظ والنصائح، وليس له من عاقبة سوى رؤيته للحسن سيّئاً والسيء حسناً، كما أورد ذلك القرآن الكريم: «قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا* الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِى الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً» [٢].
فقد حسب معاوية وطلحة والزبير أنفسهم من المدافعين عن دم المظلوم (دم عثمان) هذا في صدر الإسلام، واليوم يرى أصحاب البدع الوهابيون أنّهم مصلحو هذه الأُمّة، وعادة ما يزعم المبتدعون طيلة التاريخ أنّهم مصلحون.
ويختتم الإمام عليه السلام الخطبة بعبارة، لتمييز صفوف المبتدعين من صفوف المتبعين للدين، فيقول:
«وَإِنَّمَا النَّاسُ رَجُلَانِ: مُتَّبِعٌ شِرْعَةً وَمُبْتَدِعٌ بِدْعَةً، لَيْسَ مَعَهُ مِنَ اللَّهِ سُبْحَانَهُ بُرْهَانُ سُنَّةٍ، وَلَا ضِيَاءُ حُجَّةٍ»
وعليه فلابدّ لكل شخص من معرفة صنفه. فإن كان متشرّعاً فهو تابع للكتاب والسُنّة والدليل العقلي اليقيني، وإن كان في صف المبتدعين فليس لديه دليل من كتاب ولا سُنّة ولا نور ولا ضياء من عقل ولا يتبع سوى أهوائه ويغيّر أحكام اللَّه بما ينسجم وتلك الأهواء. وبناءً على ما سبق فإنّ برهان السُنّة إشارة إلى الأدلّة النقلية، وضياء الحجة الأدلة العقلية، وهكذا يُعرِّف الإمام عليه السلام أهل البدع بأنّهم الأفراد الذين يتبعون أهواءَهم وخيالاتهم الباطلة.
[١]. «أمامه» تعني في الأصل جهة الأمام والعبارة (أتاه التقصير من أمامه)، أي، أتاه التقصير علانية
[٢]. سورة الكهف، الآيتان ١٠٣ و ١٠٤