نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٢٣ - تأمّل اللَّه حقيقة مطلقة
تفتقر إلى المعرفة من قبيل المشبِّهة والمجسِّمة إنّما شبهت اللَّه بمخلوقاته وجعلت له جسماً وأعضاءاً، وأنّ له مكان وينتقل من مكان إلى آخر فيحضر هنا ويغيب هناك، والحال أنّه لأرفع من الزمان والمكان والقياس والوهم؛ أرفع ممّا نرى ونقرأ ونكتب، فليس له جسم ولا مكان ولا صفة من صفات المخلوقات. والعبارة المذكورة إشارة إلى أربعة أنواع من الحدود يتنزه اللَّه عنها جميعا: الحدود من حيث القامة كالصغر والكبر ومن حيث النهاية كمقدار العمر ومن حيث اختيار السكن وأخيراً من حيث المكان. فهو وجود مطلق لا متناهٍ غنى عن أي من الحدود، ذلك لأنّ كل هذه الأمور من صفات المخلوقات. ومن هنا اختتم الخطبة بالقول:
«فَالْحَدُّ لِخَلْقِهِ مَضْرُوبٌ، وَإِلَى غَيْرِهِ مَنْسُوبٌ»
. فهذه العبارة هي عصارة الأبحاث السابقة في أنّ كل محدودية هي إنّما تعودالمخلوقات ومن شأن الممكنات، وليس لهذه الصفة من سبيل إلى ذاته المطلقة.
تأمّل: اللَّه حقيقة مطلقة
إنّ أول وأهم مطلب ينبغي إثباته في باب صفات اللَّه ليتضح مفهوم التوحيد وكذلك سائر الصفات كالعلم والقدرة وماشابه ذلك يتمثل في كون ذاته مطلقة لا متناهية، وذلك لأنّه إن ثبت هذا المطلب فقد تمهد السبيل أمام إدراك جميع صفاته الجمالية والجلالية (الصفات الثبوتية والسلبية). ولإثبات ذلك لابدّ من الألتفات إلى الأمور التالية:
١. إنّ محدودية الوجود تعني طروء العدم، ذلك لأنّه إن لم يرد العدم فلا معنى للحدود. فلو قلنا إنّ عمر فلان محدود، فذلك يعني أنّ عمره سينتهي يوما إلى العدم، وهكذا بشأن العلم والقدرة وماشابه ذلك.
٢. إنّ الوجود ضد العدم فإن اقتضى شيء بذاته الوجود فلا يمكنه اقتضاء العدم.
٣. ثبت في برهان العلة والمعلول أنّ سلسلة العلة والمعلول لهذا العالم يجب أن