نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٥٨ - الشرح والتفسير الدنيا ليست داركم
فالعبارة، إشارة لما تأكد مراراً في نهج البلاغة والقرآن أنّ الدنيا ليست خالدة وأنّها ليست بدار إقامتنا، بل هي ممرّ مؤقت نجتازه في سفرنا إلى الآخرة حيث مقرّنا ومقامنا بعد التزود من هذه الدنيا لتلك الحياة الحقيقية التي قال عنها القرآن:
«لَهِىَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ» [١].
ثم أكّد الإمام عليه السلام أكثر فقال:
«أَلَا وَإِنَّهَا لَيْسَتْ بِبَاقِيَةٍ لَكُمْ وَلَا تَبْقُونَ عَلَيْهَا».
كما ردّ على أولئك الذين يصفون الدنيا دائماً بالخداع والغرور، فقال:
«وَهِيَ وَإِنْ غَرَّتْكُمْ مِنْهَا فَقَدْ حَذَّرَتْكُمْ شَرَّهَا. فَدَعُوا غُرُورَهَا لِتَحْذِيرِهَا، وَأَطْمَاعَهَا لِتَخْوِيفِهَا»
. صحيح أنّ أغلب مظاهر الدنيا تثير الغرور والغفلة، لكنها ترينا إلى جانب ذلك بعض المشاهد التي توقظ كل غافل من نوم غفلته. فاللحظة التي ينال فيها أحدهم السلطة ويستولي على العرش، هي ذاتها التي يسقط فيها أخيراً، وفي الوقت الذي يرث فيه شخص الآلاف المؤلفة من الثروة، هو نفس الوقت الذي يحمل فيه جثمان صاحب تلك الثروة ليوسّد التراب، وحين يولد طفل وتطالعنا مظاهر الفرح والسرور على سيماء وجوه أُسرته، ترتفع إلى جانبه أصوات أُسرة بالعويل لفقدهم أحد أعزتهم، فلم نركز على الصورة الأُولى ونتناسى الصورةالثانية؟! حاول الإمام عليه السلام بهذه العبارات العميقة المعنى أن يلفت الانتباه إلى هذه الحقيقة وقد أكّدها في سائر خطب نهج البلاغة وقصار الكلمات.
ثم واصل الإمام عليه السلام كلامه قائلًا:
«وَسَابِقُوا فِيهَا إِلَى الدَّارِ الَّتِي دُعِيتُمْ إِلَيْهَا، وَانْصَرِفُوا بِقُلُوبِكُمْ عَنْهَا»
، كما قال:
«وَلَا يَخِنَّنَّ أَحَدُكُمْ خَنِينَ الْأَمَةِ عَلَى مَا زُوِيَ [٢]
عَنْهُ مِنْهَا، وَاسْتَتِمُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ بِالصَّبْرِ عَلَى طاعَةِ اللَّهِ وَالْمُحَافَظَةِ عَلَى مَا اسْتَحْفَظَكُمْ مِنْ كِتَابِهِ».
[١]. سورة العنكبوت، الآية ٦٤
[٢]. «زوي» من مادة (زي) على وزن حي، بمعنى الجمع والأخذ والحمل والإبعاد، وتعني في العبارة الإبعادوالفقدان لأنّها وردت بصيغة الفعل المجهول في العبارة ومعها الحرف عن