نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٥٩ - الشرح والتفسير الدنيا ليست داركم
فقد شبه الإمام عليه السلام الأفراد الضعاف الذين لا يكادون يفقدون نعمة من نعم الدنيا حتى يعيشوا حالة من العزاء وكأنّهم فقدوا عزيزاً من أعزتهم بتلك الأُمّة التي يرتفع صوتها بالبكاء لأدنى مُلمّة، وربّما دوى صوت البكاء أثر شدّة الجزع. نعم، هذا فعل العبيد الضعاف؛ ضعاف الدنيا وأسرى مظاهرها، والحال، لو فكروا بصورة صحيحة لأدركوا أنّ ما فقدوه مهما كان مهمّاً فلا قيمة له، لأنّهم يفقدونه عاجلًا أم آجلًا، وإن لم يفقدوه اليوم فسيفقدونه ويفقد كل شيء عندما يموت غداً.
أضف إلى ذلك فإنّ أغلب النعم التي تزول إنّما تعود فيما بعد بفضل اللَّه ولطفه، وعليه فلا داعي للتأوه والشعور بالألم والحسرة. ويستفاد من العبارة الأخيرة أنّ أحد عوامل بقاء نِعم اللَّه وديمومتها طاعة اللَّه واتباع أوامره والإلتزام بالقرآن والعمل بأحكامه.
وأشار الإمام عليه السلام في ختام الخطبة إلى نقطة مهمّة أخرى، تتمثل في ضرورة حفظ الدين حين يكون هنالك مفترق طرق وتضاد بين حفظ الدنيا بزينتها وزخرفها وحفظ الدين، فليس هنالك من ضرر يطيل الإنسان إن ذهبت دنياه، بينما لا ينفعه شيء إن ذهب دينه:
«أَلَا وَإِنَّهُ لَايَضُرُّكُمْ تَضْيِيعُ شَيْءٍ مِنْ دُنْيَاكُمْ بَعْدَ حِفْظِكُمْ قَائِمَةَ دِينِكُمْ. أَلَا وَإِنَّهُ لَايَنْفَعُكُمْ بَعْدَ تَضْيِيعِ دِينِكُمْ شَيْءٌ حَافَظْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَمْرِ دُنْيَاكُمْ»
. إشارة إلى أنّ الغنى الحقيقي، في حفظ الدين والإيمان الذي يشكل مفتاح حياة الإنسان الأبدية، لا النعم المادية العابرة، فهي عناصر ثانوية تغادر سريعاً كالفقاعات التي تطفو على سطح الماء. نقل المرحوم الكليني أنّ أحد أصحاب الإمام عليه السلام كان يقدم كل عام إلى الحج ويرى الإمام عليه السلام، لكنه غاب مدّة. فسأل الإمام عليه السلام أحد أصحابه المعروفين عن ذلك الشخص، فلم يشأ أن يخبر الإمام عليه السلام بوضعه المالي الصعب. فقال عليه السلام وكيف دينه وإيمانه؟ قال: هو واللَّه كما تحبّ. فقال عليه السلام: هو واللَّه الغني [١].
[١]. اصول الكافي، ج ٢، ص ٢١٦، ح ٤