نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٧٢ - الشرح والتفسير علّمني رسول اللَّه صلى الله عليه و آله كل شيء
المقامات، فما ظنك بالأسرار المودعة لدى الأستاذ، والمقام الذي هو عليه؟!!
ثم خاض في الأمر الثاني فقال:
«وَالَّذِي بَعَثَهُ بِالْحَقِّ، وَاصْطَفَاهُ عَلَى الْخَلْقِ، مَا أَنْطِقُ إِلَّا صَادِقاً، وَقَدْ عَهِدَ إِلَيَّ بِذلِكَ كُلِّهِ، وَبِمَهْلِكِ مَنْ يَهْلِكُ، وَمَنْجَى مَنْ يَنْجُو، وَمَآلِ هذَا الْأَمْرِ. وَمَا أَبْقَى شَيْئاً يَمُرُّ عَلَى رَأْسِي إِلَّا أَفْرَغَهُ [١] فِي أُذُنَيَّ وَأَفْضَى بِهِ إِلَيَّ».
ترى هل كان تعليم النبي صلى الله عليه و آله لهذه الأسرار بصورة بيان جزئي وشرح لكل واقعة، أم أنّه علّم عليّاً عليه السلام أصول وكليات، وأن كل باب يفتح ألف باب، أم كانت الموارد مختلفة فتارة من خلال الأصول الكلية وأخرى من خلال التفاصيل؟ يبدو الإحتمال الثالث، هو الأقرب. نعم، هذه الأمور ليست واضحة لدينا، واللَّه ورسوله أعلم، إلّاأننا نعلم أنّه أخبر عن حوادث جمة ووقعت كما أخبر، وقد بينت في خطب متعددة من نهج البلاغة، ولو جمعت لكانت كتاباً رائعاً. وبالطبع فإنّ أي من ذلك ليس من علم الغيب الذاتي- الذي يختص باللَّه تعالى- بل كما قال عليه السلام في الخطبة ١٢٨
«إِنَّمَا هُوَ تَعَلُّمٌ مِنْ ذِي عِلْمٍ» [٢]
ولما كان الإمام عليه السلام قد أفرد جانباً مهمّاً من الخطبة في دعوة الناس إلى ترك الانغماس في الدنيا عاد في ختام الخطبة ليشير إلى هذه النقطة المهمّة في سبقه للعمل بما يأمر فقال:
«أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي، وَاللَّهِ، مَا أَحُثُّكُمْ عَلَى طَاعَةٍ إِلَّا وَأَسْبِقُكُمْ إِلَيْهَا، وَلَا أَنْهَاكُمْ عَنْ مَعْصِيَةٍ إِلَّا وَأَتَنَاهَى قَبْلَكُمْ عَنْهَا»
. فالشرائط اللازمة للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإن لم تتضمن ضرورة عمل الأمر والناهي.
كما روي عن رسول اللَّه صلى الله عليه و آله أنّه قال:
«مُرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوهُ وَانْهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَإِنْ لَمْ تَجْتَنِبُوهُ كُلُّهُ» [٣]
. ولكنّ الآمر والناهي إذا كان عاملًا قبل الآخرين بما
[١]. «أُفرغه» من مادة (إفراغ) تعني في الأصل، سكب شيء سيال من الظرف بحيث يخلو ممّا فيه، ثم استعملت بمعنى إلقاء المطالب المختلفة على الآخر
[٢]. للوقوف على المزيد بشأن علم الغيب وعلم الأنبياء والأئمّة عليهم السلام راجع إلى هذا الكتاب ج ٥، ص ٣٦٦
[٣]. ميزان الحكمة، ج ١، ح ١٢٧٧٦ هناك قضية، وهي أنّ الإنسان إن دعى الآخرين إلى المعروف ونهاهم عنالمنكر ولم يلتزم هو بذلك فإنّه يشعر بالخجل من نفسه، وهذا الخجل يسوقه بالتالي إلى المعروف والإبتعاد عن المنكر