نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤١٨ - الشرح والتفسير إصلاح النفس
ثَلَاثَةٌ: فَظُلْمٌ لَايُغْفَرُ، وَظُلْمٌ لَايُتْرَكُ، وَظُلْمٌ مَغْفُورٌ لَايُطْلَبُ».
ثم خاض عليه السلام في شرح كل قسم، فقال:
«فَأَمَّا الظُّلْمُ الَّذِي لَايُغْفَرُ فَالشِّرْكُ بِاللَّهِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى:
«إِنَّ اللَّهَ لَايَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ»». طبعاً، بالتوجه إلى صدر الآية وذيلها:
«وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ» [١] يتبيّن لنا أنّ الذنب الوحيد الذي لا يغفره اللَّه، إن مات الإنسان ولم يتب منه، هو الشرك، أمّا سائر الذنوب، كبيرةً كانت أم صغيرةً إن مات الإنسان ولم يتب منها، فربّما يُشمل بالعفو الإلهي، وإن لم يكن ذلك قطعياً وشموله بالعفو خاضع لبعض الشرائط، لأنّ العبارة
(من يشاء)
لا تعني العفو عن المذنبين دون حساب وكتاب، ذلك لأنّ اللَّه حكيم وإرادته ومشيئته حكيمة، ولا يشمل بالعفو سوى من امتلك مقوماته، بالضبط على غرار العفو عن السجناء والذي ينظر إلى حالة السجين، فإن رأى فيه الإستعداد شمل بالعفو، والمراد من الشرك هنا هو الشرك الجليّ من قبيل عبادة الأوثان وما شابه ذلك، وأمّا الشرك الخفيّ
(كالرياء)
فهو من قبيل الكبائر الداخلة في ذيل الآية المذكورة.
ثم خاض عليه السلام في بيان القسم الثاني والثالث، فقال:
«وَأَمَّا الظُّلْمُ الَّذِي يُغْفَرُ فَظُلْمُ الْعَبْدِ نَفْسَهُ عِنْدَ بَعْضِ الْهَنَاتِ [٢]. وَأَمَّا الظُّلْمُ الَّذِي لَايُتْرَكُ فَظُلْمُ الْعِبَادِ بَعْضِهِمْ بَعْضاً.
الْقِصَاصُ هُنَاكَ شَدِيدٌ. لَيْسَ هُوَ جَرْحاً بِالْمُدَى [٣] وَلَاضَرْباً بِالسِّيَاطِ، وَلكِنَّهُ مَا
يُسْتَصْغَرُ ذلِكَ مَعَهُ»
. فقد أشار الإمام عليه السلام في العبارة الأُولى إلى الصغائر التي ذكر القرآن شرط عفوها بترك الكبائر: «إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ» [٤]. أو إشارة إلى الكبائر التي لها بعد حق اللَّه ويستطيع الإنسان غسلها بماء التوبة والندم وتداركها بالأعمال الصالحة، أمّا العبارة الثانية التي تبيّن النوع الثالث
[١]. سورة النساء، الآية ٤٨
[٢]. «هنات» جمع (هن) على وزن من، بمعنى الأمر المهم والحادثة الشديدة، كما ورد في لسان العرب، مادة (هن)، وتطلق أحياناً على الموضوعات الصغيرة قليلة الأهميّة، وهذا هو المعنى المراد بها في العبارة
[٣]. «مدى» جمع (مدية) على وزن، بنية، السكين
[٤]. سورة النساء، الآية ٣١