نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤١٩ - الشرح والتفسير إصلاح النفس
للظلم، فهي إشارة إلى حق الناس الذي توعد الإسلام عليه أشد العقوبات، واللَّه لا يغفره ما لم يتنازل صاحب الحق، وعليه، فالتعبير بالقصاص في العبارة إشارة إلى العقاب، لا القصاص الإصطلاحي المعروف، ولذلك قال: ليس ذلك القصاص جرحاً بالسكين والخنجر ولا ضرباً السياط، بل عقاب يهون كل ذلك معه: «نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ* الَّتِى تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ» [١].
ورد في الرواية، عن الإمام الصادق عليه السلام:
«إنّ اللَّهَ أَوحى إلى نَبِيٍّ مِنْ أَنبِيائِهِ فِي مملَكَةِ جَبّارٍ مِنَ الجَبَّابرينَ أَن ائتِ هذا الجَبَّارَ فَقُلْ لَهُ: إِنّني لَمْ أَستَعمِلَك عَلى الدِّماءِ اتّخاذِ أموالِ، بَل استَعمَلتُك لِتَكُفَّ عَنِّي أَصواتَ المَظلُومِينَ، فإنّي لَمْ أدعْ ظَلامَتَهُم وَإنْ كَانُوا كُفّاراً» [٢].
وورد عن الإمام الباقر عليه السلام:
«ما مِن أَحِدٍ يَظلِمُ بِمَظلَمَةٍ إلَّاأَخَذَهُ اللَّهُ بِها فِي نَفْسِهِ وَمالِهِ وَمَّا الظُّلمَ الَّذي بَينَهُ وَبَينَ اللَّه فإذا تابَ غَفَرَ اللَّهُ لَهُ» [٣].
ثم تطّرق الإمام عليه السلام إلى موضوع وحدة صفوف المسلمين، فقال:
«فَإِيَّاكُمْ وَالتَّلَوُّنَ فِي دِينِ اللَّهِ، فَإِنَّ جَمَاعَةً فِيمَا تَكْرَهُونَ مِنَ الْحَقِّ، خَيْرٌ مِنْ فُرْقَةٍ فِيمَا تُحِبُّونَ مِنَ الْبَاطِلِ. وَإِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ لَمْ يُعْطِ أَحَداً بِفُرْقَةٍ خَيْراً مِمَّنْ مَضَى، وَلَا مِمَّنْ بَقِيَ».
العبارة
«فَإِيَّاكُمْ وَالتَّلَوُّنَ فِي دِينِ اللَّهِ ...»
إشارة إلى أنّ كل طائفة كانت تتخذ لها صيغة تميز برنامجها من الآخرين، سواء في المسائل العقائدية أو العملية، وهذا التلوّن يؤدّي إلى فرقة الصفوف وضياع الطاقات وأحياناً نشوب الحروب الأهلية التي تهدد مصير المجتمع ومنافعه. وكلما كان أفراد المجتمع- كما ورد في عبارات الإمام عليه السلام المذكورة- يتحولون بالمرونة في القضايا البسيطة، والصبر في الأمور التي لا تنسجم مع رغباتهم، فإنّ الوحدة ستسود هذا المجتمع جانب الهدوء والأمن
[١]. سورة الهمزة، الآيتان ٦ و ٧
[٢]. اصول الكافي، ج ٢، ص ٣٣٣، ح ١٤
[٣]. المصدر السابق، ح ١٥