نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٧٨ - الشرح والتفسير حفت الجنّة بالمكاره والنار بالشهوات
ثم واصل الإمام عليه السلام كلامه من خلال الدليل والبرهان، فقال:
«فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ أَعْذَرَ إِلَيْكُمْ بِالْجَلِيَّةِ، وَاتَّخَذَ عَلَيْكُمُ الْحُجَّةَ، وَبَيَّنَ لَكُمْ مَحَابَّهُ [١] مِنَ الْأَعْمَالِ، وَمَكَارِهَهُ مِنْهَا،
لِتَتَّبِعُوا هذِهِ، وَتَجْتَنِبُوا هذِهِ».
فالإمام عليه السلام لا يرى من مبّرر للتواني في قبول المواعظ والإتيان بالواجبات وترك المحرمات، ذلك لأنّ اللَّه أتمّ الحجة على الجميع ووضع بما لا يقبل الشك، سبيل قبح العقاب بلا بيان. وخاض عليه السلام في الرد على إشكالات مقدرة فقال:
«فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ- كَانَ يَقُولُ: «إِنَّ الْجَنَّةَ حُفَّتْ [٢] بِالْمَكَارِهِ، وَإِنَّ النَّارَ حُفَّتْ
بِالشَّهَوَاتِ».
وواصل عليه السلام كلامه في بيان حديث الرسول صلى الله عليه و آله، فقال:
وَاعْلَمُوا أَنَّهُ مَا مِنْ طَاعَةِ اللَّهِ شَيْءٌ إِلَّا يَأْتِي فِي كُرْهٍ، وَمَا مِنْ مَعْصِيَةِ اللَّهِ شَيْءٌ إِلَّا يَأْتِي «فِي شَهْوَةٍ. فَرَحِمَ اللَّهُ امْرَاً نَزَعَ [٣] عَنْ شَهْوَتِهِ، وَقَمَعَ [٤] هَوَى نَفْسِهِ، فَإِنَّ هذِهِ النَّفْسَ أَبْعَدُ شَيْءٍ مَنْزِعاً وَإِنَّهَا لَا
تَزَالُ تَنْزِعُ إِلَى مَعْصِيَةٍ فِي هَوىً».
فهذه حقيقة، وهي أنّ الإنسان لابدّ له من اجتياز الطرق الصعبة الوعرة في مسيرته العبادية وكسب الفضائل ودفع الرذائل، وعليه مراقبة الأخطار التي تكمن في طريقه وتعيقه عن الوصول إلى هدفه، أمّا في مسيرة المعصية فكأن هذه النفس الجامحة تسلك سبيلًا سهلًا لا ينطوي على أيّة صعوبات، وهذا هو سر ثواب الطاعة وعقوبة المعصية.
نقرأ في حديث لطيفة عن رسول اللَّه صلى الله عليه و آله:
«أنّ اللَّه حين خلق الجنّة أمر جبريل
[١]. «محاب» جمع (محب) من مادة الأمر المحبوب
[٢]. «حفت» من مادة (حف) على وزن كف، بمعنى الاحاطة بالشيء
[٣]. «نزع» من مادة (نزع) على وزن نبض، تتعدى هذه المادة بحرف (إلى) أحياناً فيقال: نزع عنه أي أقلع عن هذاالعمل، وقد وردت في العبارة بالمعنى الثاني، واستعملت بالمعنى الأول في العبارات اللاحقة (تنزع إلى المعصية). وتتعدى أحياناً دون حرف الجر كقولهم نزع الشيء أي، إبطاله وهدمه
[٤]. «قمع» من مادة (قمع) على وزن منع، بمعنى، القهر والغلبة