نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٣٠ - الشرح والتفسير الأرفع من الخيال والوهم
فقال:
«أَيُّهَا الْمَخْلُوقُ السَّوِيُ [١]، وَالْمُنْشَأُ الْمَرْعِيُ [٢]، فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْحَامِ،
وَمُضَاعَفَاتِ الْأَسْتَارِ»
. نعم؛ مرحلة الجنين من أعجب مراحل الخلقة التي تنطوي على العديد من الأسرار. فنطفة الإنسان تطوي مراحلها التكاملية بصورة متتالية في وسط مغلق ومظلم ومحاط بالأستار بحيث يطأ كل يوم مرحلة جديدة في إطار خلقة موزونة ومنظمة، ورغم أنّها تجري في وسط رقيق وشفاف إلّاأنّها بعيدة كل البعد من المخاطر.
ثم خاض في شرح هذا المطلب فقال:
«بُدِئْتَ
«مِنْ سُلَالَةٍ [٣] مِنْ طِينٍ»
، وَوُضِعْتَ
«فِي قَرَارٍ مَكِينٍ [٤]* إِلَى قَدَرٍ مَعْلُومٍ»
وَأَجَل مَقْسُومٍ»
. إشارة إلى أنّ عملية توقف الإنسان في الرحم خاضعة لحساب دقيق. من حيث كمية البدن وكيفيته من حيث المدة والزمان وقد أشار الإمام عليه السلام إلى أحدهما بالعبارة
«إِلَى قَدَرٍ مَعْلُومٍ»
والأخرى بالعبارة
«وَأَجَل مَقْسُومٍ».
ثم تطرق إلى المرحلة الأخرى التي تعقب الرحم فقال:
«تَمُورُ [٥] فِي بَطْنِ أُمِّكَ
جَنِيناً لَاتُحِيرُ [٦] دُعَاءً، وَلَا تَسْمَعُ نِدَاءً»
. فهذه العبارة إشارة لطيفة إلى الحركة المتتابعة للجنين في بطن أُمّه والتي تتمّ من خلال السباحة في ماء معين حوله. وأنّه ليتلقى بوازع من فطرته وبحكم طبيعته الأمر بالحركة، دون أن يسأل أو يجيب أحداً، ذلك لأنّه ليس له من سمع ولا لسان، لكن اللَّه وفرّ له كل حاجاته مسبقاً حين كان في ذلك الوسط المظلم والمغلق.
[١]. «سوي» من مادة (تسوية) التنظيم والرعاية لتناسب أجزاء الشيء
[٢]. «مرعى» على وزن منفى، بمعنى الشيء الذي يرعى ويحافظ عليه
[٣]. «سلالة» من مادة (سل) على وزن حل، عصارة الشيء وخلاصته، ومنه معنى الإختيار أيضاً
[٤]. «مكين» من مادة (مكانة) بمعنى المنزلة وبمعنى الشخص أو الشيء الذي له منزلة واستقرار وثبات وتحتتصرفه جميع وسائل العمل
[٥]. «تمور» من مادة (مور) على وزن قول، بمعنى الحركة السريعة، كما وردت بمعنى الذهاب والإياب. وورد هذاالتعبير بشأن الجنين بسبب كونه دائم الحركة داخل الرحم
[٦]. «تحير» من مادة (حوْر) على وزن غوْر، بمعنى الذهاب والإياب، وكذلك وردت هذه المادة بمعنى الحوار فيالكلام، فعليه (لا تحير) في العبارة المذكورة بمعنى أنّ الجنين لا يردّ على أي كلام ولا يقدر على بيان حاجاته